فهرس الكتاب

الصفحة 6841 من 27345

فإذا كنت تعتقد مثلًا أن الدنيا هي الحيوان، ولا حياة لك بعد الموت، كان سلوكك الخلقي مغايرًا لسلوكك لو كنت تحسب أنك بعد مفارقتك لهذه الدنيا، ستفضي إلى حياة تحاسب فيها على كل صغير وكبير من أعمالك التي قدمتها في حياتك الحاضرة، وأن حسن عاقبتك فيها أو سوءها، إنما يتوقف على حسن أعمالك أو سوئها في هذه الدنيا. ومثل ذلك، كمثل رجلين مسافرين إلى جهة كراتشي. أما أحدهما فيحسب أن سفره بعد وصوله إلى كراتشي، لا ينتهي فحسب، بل سيأمن فيها أيضًا من مؤاخذة الشرطة والمحكمة، وكل قوة يمكن أن تحاسبه على أعماله وما ارتكب من الجرائم قبل وصوله إلى كراتشي. أما الآخر فيحسب أن السفر إلى كراتشي إنما هو مرحلة من مراحل سفره العديدة، وهو بعد وصوله إلى كراتشي سينتهي إلى أرض لا يحكمها إلا السلطان نفسه الذي يحكم باكستان، وأن هذا السلطان في مكتبه قد سجّل فيه كل صغيرة أو كبيرة من أعماله التي جاء بها أيام وجوده في باكستان، وهو سيحاسبه عليها، ولا يقضي في أمره وفي الدرجة التي يستحقها في تلك الأرض إلا حسب ما سيجد عليه أعماله من الحسن أو القبح. لك أن تقدر الآن بكل سهولة، أي فرق كبير، وبون شاسع بين أعمال الرجلين وأخلاقهما، لا يستعد الأول إلا للسفر إلى كراتشي. وأما الآخر، فلا يستعد للسفر إلى كراتشي فحسب، بل يستعد كذلك للمراحل الشاقة الطويلة التي سيقطعها بعد المرور على كراتشي، ويفكر في مآله الذي سيصير إليه آخر الأمر. يحسب الأول أن النفع كله والخسران كله إنما هو قبل وصوله إلى كراتشي، وإذا وصل إليها، فلا نفع ولا خسران. وأما الآخر فيحسب أن ليس النفع والخسران الحقيقي في مرحلته الأولى، بل هو في مرحلته التي سينتهي إليها آخر الأمر. إن الأول لا يكترث ولا يقيم وزنًا إلا لنتائج أعماله التي عسى أن يراها قبل وصوله إلى كراتشي. وأما الآخر فيجعل نصب عينيه دائمًا النتائج التي سيراها في الأرض التي سيبلغها عند انتهاء سفره. والظاهر أن هذا الفرق بين أخلاق الرجلين وأعمالهما، إن هو إلا نتيجة مباشرة لما يعتقدان من النوع المختلف لسفرهما. فكذلك كل عقيدة يكون عليها الإنسان عن مصيره بعد الموت، لها تأثير بالغ، فيصل في كل ما يأتي به في حياته من الأعمال والأخلاق، وهو لا يتقدم في ميدان العمل خطوة إلا ويكون تعين جهتها متوقفًا على: هل يأتي بكل ما يأتي به من الأعمال في حياته الدنيا على أنها هي حياته الأولى والآخرة، وليس له ولا عليه شيء بعد الموت، أم على أنه سيفضي بعد موته إلى حياة سرمدية أخرى، ويرى فيها نتائجها ويقطف ثمارها حتمًا؟ فهو إن كان يتقدم إلى جهة في الصورة الأولى، يتقدم إلى جهة تخالفها تمامًا في الصورة الأخرى.

وإذا عرفنا هذا فلنا أن نقول: إن مسألة"الحياة بعد الموت"ليست بمسألة عقلية فارغة، أو فلسفية جوفاء، بل هي مسألة حياتنا العملية. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكننا أبدًا أن نبقى في حياتنا مرتابين مترددين في هذه المسألة الأساسية، لأن كل سلوك نختاره في حياتنا مع التردد والارتياب، لا يكون من حيث مظهره ونتائجه إلا مثل سلوك الإنكار المحض، فنحن مرغمون بطبيعة وجودنا وحياتنا في الدنيا، على أن نقطع في هذه المسألة برأي حاسم، إما بالإثبات، أو النفي.

فإن كانت العلوم التجريبية لا تساعدنا بشيء، فلا بد لنا أن نستعين في هذا الشأن بما لنا من العقل وقوة الفهم والتبصر.

وتعال لنستعرض الآن ما عندنا من المواد للاستدلال العقلي:

أمامنا الإنسان في جانب، ونظام الكون الذي يعيش فيه في الجانب الآخر. فعلينا أن نضع الإنسان في هذا النظام وننظر: هل تتحقق في هذا النظام مقتضيات كل ما في الإنسان، أم يبقى فيه شيء لا تتحقق مقتضياته فيه وهو في حاجة إلى نظام من نوع آخر؟

انظر.. إن الإنسان -أولًا- جسد يتركب ببعض المعادن والغازات، والأملاح والماء. وبإزائه في الكون أنواع أخرى من المعادن، والأملاح والأتربة، والجبال، والأنهار، وما إليها من الأشياء من هذا الجنس. والقوانين التي تحتاج إليها هذه الأشياء في القيام بأعمالها، كلها جارية في الكون وهي كما تعين الجبال والأنهار والرياح على القيام بنصيبها من الأعمال خارج الإنسان، كذلك تعين الجسد الإنساني أيضًا على القيام بعمله.

والإنسان -بعد ذلك- جسد ينمو ويكبر متغذيًا مما حوله من الأشياء كالهواء والماء. وبإزائه هناك من جنسه الأشجار والأعشاب والنباتات الأخرى فقي الكون تنمو وتكبر متغذية مما حولها، فكما أن سنن الطبيعة ونواميس الكون تنمو تحتها الأشجار والأعشاب والنباتات، ينمو تحتها الجسد الإنساني كذلك.

والإنسان بعد هذا وذاك جسد حي يتحرك بإرادته، وينال غذاءه بالسعي والجهد، ويدافع عن نفسه، ويهتم بالإبقاء على نسله. وبإزائه في الكون كثير من أنواع هذا الجنس أيضًا، كالحيوانات في البر والبحر والفضاء، فكما أن قوانين الطبيعة تعين هذه الحيوانات على الحياة والبقاء تعين عليهما الجسد الإنساني أيضًا بدون نقص ولا تقصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت