ولكن.. فوق كل ذلك، إن للإنسان وجودًا من نوع آخر نسميه الوجود الخلقي. إن الإنسان فيه الشعور بالخير والشر، وهو يميّز بينهما، ويقدر فعلهما، ومما تطالب به فطرته أن تظهر النتائج الحسنة إن فعل الخير، والنتائج القبيحة إن جاء بالشر، وهو يفرق بين العدل والظلم، والصدق والكذب، والحق والباطل، والرحمة والقسوة، والإحسان والإساءة، والسخاء والبخل، والوفاء والغدر، وما إليها من الصفات الخلقية الأخرى، وهي توجد في حياته بالفعل، وليست بأمور من بنات الفكر والخيال المحض. فالذي تستدعيه بشدة الفطرة التي فطر عليها الإنسان، أن تظهر لأعماله نتائجها الخلقية، كما تظهر نتائجها الطبيعية.
ولكن هل لك أن تقول بعد إطالة نظرك وإجالته في نظام الكون: إنه من الممكن أن تظهر في هذا النظام لأفعال الإنسان نتائجها الخلقية على الوجه الكامل؟ لعمر الحق، إن ذلك مستحيل البتّة، لأن هذا الكون ليس فيه -إلى حد علمنا- خلق له وجود خلقي غير الإنسان، ولا يسير نظامه من أوله إلى آخره إلا على القوانين الطبيعية المحضة، حيث ليس للقوانين الخلقية دخل ما في ناحية من نواحيه. إن قطعة صغيرة من الذهب لها قيمة ووزن في هذا الكون، ولكن لا قيمة فيه ولا وزن للصدق والأمانة، وإذا ما غرست فيه بذرة القمح، فإنك لا تحصد منها إلا القمح، ولكن إذا غرست فيه الصدق والأمانة، فقلما تحصد منها المدح والثناء، وكثيرًا ما تحصد منها الذم واللوم والاستهزاء والعقاب. إن العناصر المادية لها قوانين مضبوطة، وقواعد معينة في هذا الكون، ولكن لا قانون فيه للعناصر الخلقية، لما عليه من السيطرة والتأثير للقوانين الطبيعية. وهي إن ظهرت بعض الأحيان، فإنما تظهر على قدر ما تسمح لها بالظهور القوانين الطبيعية نفسها. وطالما تستدعي الأخلاق أن تظهر لعمل من أعمال الإنسان نتيجة خاصة. ولكنها لا تظهر إلا منقلبة بالمرة، وذلك لما فيها من التدخل للقوانين الطبيعية، نعم، لاشك أن الإنسان قد بذل بعض سعيه بواسطة نظامه الاجتماعي والسياسي، لأن تظهر النتائج الخلقية لأعماله وفقًا لقاعدة معينة، ولكن الحقيقة أن ليس سعي الإنسان هذا إلا على نطاق ضيّق محدود جدًا، وهو في غاية من النقص والعيب. ففي جانب تجعله ناقصًا قوانين الطبيعة، وفي الجانب الآخر يزيده نقصًا إلى نقصه، وعيبًا إلى عيبه ما في نفس الإنسان من مواطن الضعف.
وها أنا ذا أريد أن أشرح لك ما قد بينته للآن ببعض الأمثلة:
إن رجلًا يبغض رجلًا آخر ويعاديه، فإذا أحرق بيته، فإن النتيجة الطبيعية لعمله أن يحترق ذلك البيت وأما نتيجته الخلقية، فإنما يتوقف ظهورها على أن يُعثرَ على الرجل الذي أحرق البيت، ثم على أن تقبض عليه الشرطة، ثم على أن تثبت عليه الجريمة، ثم على أن تقدر المحكمة تقديرًا محكمًا قاطعًا ما لحق بأهل ذلك البيت وسلالاتهم المتعاقبة من الضرر والخسارة لأجل جريمته، ثم على أن تحكم المحكمة بما يساوي جريمته من العقاب. فتلك هي الشروط التي لابد من استيفائها وتحقيقها لظهور النتيجة الخلقية لهذا الفعل الواحد من أفعال الإنسان، حيث إذا تخلّف منها شرط ما ولم يتحقق على الوجه الصحيح الكامل، فإما أن لا تظهر النتيجة الخلقية أصلًا، أو يظهر منها جزء ضئيل جدًا، على أنه ليس من المستبعد في هذا النظام أن الجاني بعد إبادة خصمه وإفنائه يسلم من المؤاخذة، ويبقى طول حياته فرحًا مرحًا لا يخاف أحدًا ولا يخشى عقابًا.
ولك أن تأخذ الآن مثالًا آخر على نطاق أوسع:
إن عصابة من الناس يخلقون لأنفسهم التأثير والنفوذ في شعبهم، ويستحوذون عليه حسب ما تأمرهم به شهواتهم وأمانيهم، ثم يستغلّون هذا الوضع، وينفثون في شعبهم روح القومية والوطنية، ويحرضونه على فتح العالم واستعباد أممه وشعوبه، ثم ينشبون الحرب على ما يجاورهم من الشعوب، ويهلكون فيها الحرث والنسل، ويطيلون يدهم بالنهب والسلب: يقتلون مئات الألوف من خلق الله، ويشردون آلاف الألوف منهم من ديارهم، ويستعبدونهم، ويرغمونهم على العيش الذليل المهان. وأعمالهم هذه قد تطول آثارها السيئة في الأجيال المتعاقبة إلى آلاف مؤلفة من السنين. فهل تظن أنه من الممكن أن ينال هؤلاء الأفراد القليلون جزاءهم في هذه الحياة الدنيا كاملًا مساويًا لفداحة جرائمهم، وجسامة المضار التي ألحقوها بخلق الله، لا لشيء إلا لبلوغ مطامعهم الاستعمارية البشعة؟ كلا، فإن ذلك من المستحيل بحكم القوانين الطبيعية التي يجري عليها نظام الكون، ولو قتلوا تقتيلًا، وأحرقوا أحياء، وعُوقبوا بأقسى ما يستطيع الإنسان ويخطر بباله.