فهرس الكتاب

الصفحة 6843 من 27345

وخذ كذلك أولئك الصالحين الأبرار الذين خدموا النوع البشري، وعلموه الخير، وأناروا له طريق الرشد والصدق والسلام، وما زالت الأجيال المتعاقبة منذ آلاف من السنين -ولا يعلم إلا الله إلى كم آلاف من السنين لا تزال- تقتبس من نورهم، وتقتدي بآثارهم، وتستهدي بأعمالهم. فهل من الممكن بوجهٍ من الوجوه أن ينالوا جزاءهم على أعمالهم وخدماتهم كاملًا في حياتهم الدنيا؟ وهل تظن أنه من الممكن في ضمن حدود القوانين الطبيعية التي يجري عليها نظام الكون الحاضر، أن ينال الرجل جزاءً كاملًا موفورًا غير منقوص على عمل من أعماله ترك تأثيره في عدد لا يحصى من خلق الله وطال رد فعله إلى آلاف من السنين بعد موته؟

فكما قد تبين لك آنفًا، أن قوانين الطبيعة التي يسير عليها نظام الكون الحاضر، لا تتسع لأن تترتب فيهل النتائج الخلقية لأعمال الإنسان على الوجه الكامل. ثم إن كل عمل يأتي به الإنسان في حياته القصيرة هذه، تكون دائرة رد فعله واسعة جدًا، وقد تطول سلسلته إلى مدة مديدة حتى ليحتاج الإنسان لاقتناء ثمراته، والحصول على نتائجه الكاملة أن يعمر آلافًا، بل مئات آلاف من السنين، وذلك ما لا يمكن أن يتحقق تحت القوانين الطبيعية. وتعرف من ذلك أن هذه الدنيا وقوانينها الطبيعية وإن كانت كافية واسعة لما في ذات الإنسان من العنصر الجمادي، والعنصر النباتي، والعنصر الحيواني، ولكنها لا تكاد تكفي لعنصره الخلقي، وهو في حاجة إلى نظام للكون آخر لا يكون القانون الحاكم (GOVERNING LAW) فيه إلا القانون الخلقي، ولا تعمل فيه القوانين الطبيعية إلا مساعدة له، ولا تكون الحياة فيه محدودة ليترتب كل ما كان لم يترتب، أو إنما كان يترتب منقلبًا في الحياة الدنيا الطبيعية من نتائج أعمال الإنسان، ويكون الوزن والقيمة فيه للصدق والحق، دون الذهب والفضة، ولا تحرق فيه النار إلا ما كان مستحقًا للاحتراق أخلاقًا، ولا ينال السعادة والنعيم والأمن والرفاهية فيه، إلا من كان صالحًا. ولا الضيق والعذاب والشقاء، إلا من كان فاجرًا. إن هذا النظام لمن عين ما يقتضيه عقل الإنسان وتطالب به فطرته.

هذا هو الاستدلال العقلي، ولك أن تتقدّم الآن خطوة أخرى:

الحقيقة أن الاستدلال العقلي إنما يرشدنا إلى حد"يجب أن يكون"ثم يتخلى عنا. أما: هل لنظام مثل هذا النظام وجود في واقع الأمر، فإن كلًا من عقلنا وعلمنا، عاجز عن أن يحكم فيه بشيء، فهنالك يأخذ بيدنا القرآن ويقول: إن الذي يقتضيه عقلكم وتطالب به فطرتكم، كائن لا محالة. (وأن الساعة لآتية لا ريب فيها) وسيأتي على نظام الكون القائم على قوانين الطبيعة يوم سيفنى فيه، ويعقبه نظام للكون آخر ستكون الأرض والسماء وكل شيء فيه على هيئة غير هيئته الحاضرة.

والله تعالى سيحيي فيه كل من ولد ومات منذ أول الخلق إلى يوم القيامة من أبناء البشر، ويحشرهم جميعًا بين يديه في آن واحد. وهناك سيجد كل فرد، وكل أمة، والإنسانية بقضّها وقضيضها، ما قدمت من الأعمال في الحياة الدنيا، مسجلًا محفوظًا بدون نقص ولا خطأ ولا هفوة، وهناك سيجد الإنسان كل صغير أو كبير من أعماله بكل ما طال من سلسلة رد فعله في الدنيا، وتشهد له أو عليه جميع السلالات والأجيال التي تأثرت به إلى حد ما، كما ستشهد له أو عليه كل ذرة من ذرّات الأرض تركت عليها أفعاله وأقواله أثرًا من الآثار، كما ستشهد له أو عليه يداه ورجلاه وعيناه وأذناه ولسانه وجلده، وكل جارحة من جوارح جسده: كيف وفيم استعملها في حياته الدنيا. ثم سيحكم عليه أحكم الحاكمين -جلّ ثناؤه وتباركت أسماؤه- بكل عدل، ويجازيه حسب أعماله وشهادة الشاهدين بما يستحقه من النعيم أو العذاب، وسيكون كل من هذا النعيم أو العذاب على نطاق واسع لا يمكن تقديره حسب المقادير المحدودة الضيقة التي نعرفها في نظام العالم الحاضر، وسيكون المقياس هناك للوقت والمكان مغايرًا عمّا هو في النظام الحاضر، كما ستكون القوانين الطبيعية هناك غيرها في هذا النظام، وسينال الإنسان هناك جزاءً كاملًا بدون أي نقص على عمل من أعماله الحسنة التي بقيت تجري آثارها إلى آلاف السنين في نظام العالم الطبيعي، بدون أن يقطع عليه الموت أو المرض أو الهرم ما سيكون فيه من النعيم والسعادة والفرح. وكذلك إن هذا الإنسان نفسه سيلقى هناك العذاب على كل عمل من أعماله السيئة التي ظلت تجري آثارها إلى آلاف من السنين في الحياة الدنيا، من دون أن ينقذه الموت أو الغشي مما سيكون فيه من الألم والعذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت