قلت: إن الاختلاف في الآراء شيء لازم لبيان حيوية الدين، واستجابته لمطالب الحياة والتفاعل معها, ولكن إذا أفضى هذا الاختلاف إلى فرقة وشقاق، وتبين أن هذا الأمر لا محالة واقع فإن الأمة الكيسة الفطنة يمكن أن تفيد من هذا الاختلاف أيضًا، وقد يبدو هذا القول غريبًا ولكن على غرابته يمكن تصوره.
إن الله يعلم أن هذا الخلاف لا بد وأن يفضى في بعض صوره إلى شقاق، والآيات الدالة على ذلك من القرآن الكريم كثيرة (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) فهذا الاقتتال يمكن أن يكون مؤسسًا على فهم معاكس لبعض حقائق الدين، بل أذهب إلى أن الخلاف حتى لو كان في أساس الدين لأمكن الإفادة منه، وهذا وارد مصداقًا لقوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين) .
وأقوى دليل أسوقه في بيان ما ذهبت إليه دليل مأخوذ من التارخ الإسلامي، فإن فقهًا نشأ أثناء حروب الردة وفقهًا نشأ في فترات مختلفة من التاريخ الإسلامي ما كان له أن يظهر وينشأ لولا هذه الخلافات، بل أن مفكرين وفقهاء إسلاميين ما كان يقدر لنا معرفتهم والإفادة من آرائهم لولا هذه الخلافات، فأسماء مشهورة كابن تيمية وابن القيم وغيرهم أكثر ما عرفناه عنهم أنهم تصدوا في العقيدة والشريعة لفرق ضلت وأضلت، فأنشأوا في الرد على هؤلاء فقهًا لا يستطيع واحد من الناس أن ينكر أثره في إثراء الفقه وبيان حقيقة الدين.
فإذا كان الفقه المتولد نتيجة الرد على فرقة ضالة قٌدِّر له أن يثرى الحياة العلمية الإسلامية، وهو فقه من جانب واحد، أي أن ما يمكننا الإفادة منه والاعتماد عليه هو الفقه الذى قدمه ويقدمه الجانب الملتزم الفكر الإسلامي دون تحريف أو تغيير، فكيف بنا والحوار بين جهتين ملتزمتين روح الدين ترتكزان على أرضية واحدة، لا شك أن ما سيتمخض عن هذا الاختلاف سيكون خيرًا وبركة على الأمة، وهذا لا يتحقق إلا إذا التزمت الفرقتان بما أشرت إليه في الصفحات السابقة من ضوابط؛ لأن الخروج عنها ــ في يقيني ــ يجعل الخلاف مجرد مراء (( والمراء لا يأتي بخير ) ).
(ج) الأسس التي يمكن الرجوع إليها لتمييز الحق من الباطل:
عند تعرضنا للحديث عن المصادر التي تعتمد عليها الأحكام الشرعية استطردنا في الحديث عن الكتاب والسنة بحسبانهما المصدرين الأساسيين لاستنباط الأحكام، وهما بهذه الوضعية يعتبران الأساس الذي على المتخالفين في الرأى الرجوع إليهما والاحتكام إلى ما فيهما لتأييد حجة كل منهما.
والبراهين القطعية في ذلك لا تحصى:
يقول تعالى: (ياأيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) . ويقول تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولِي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ، ويقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) . ويقول: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) . والأدلة أكثر من أن تحصى.
إذًا فالأساس الذى يُرجع إليه للتأكد من صحة الرأي أو الرأي المقابل هو القرآن والسنة، وإن لم يكن ذلك ممكنًا فإن ميراثًا فقهيًا ثرًا ينتظرنا من سلف الأمة الصالح يمكن التعويل عليه للفصل في الاختلافات الناشئة بين وجهات النظر المختلفة, وأن لم يحتوِ ذلك الفقه على حل لتلك المسألة، وهذا قول في رأيي فيه كثير من التجاوز، فإن الاعتماد على قواعد عامة في الدين الإسلامي تكون هي الفيصل كقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) ، وقاعدة: (( الأصل في الأشياء الإباحة ) )، وغيرها من القواعد المعتبرة التي عليها مدار التشريع الإسلامي كله.
الخاتمة
وتبقى كلمة أخيرة أشهد الله عليها:
أننى ما اخترت هذا الموضوع إلا لما يكتنف مجتمعاتنا اليوم من جدل يخفت أحيانًا ويتعالى الصياح فيه أحيانًا كثيرة، وهذا الجدل على الحادبين أن يوجهوه وجهته الصحيحة، لا سيما وأننا ننعم ببداية نهضة إسلامية في طريقها لأن تكون نهضة شاملة تعم جوانب الحياة المختلفة بإذن الله. وهذه النهضة مطلوب منها أن تعالج بالموضوعية كلها المشاكل التي نجمت عن غياب الشرع الإسلامي عن الساحة مدة ليست باليسيرة.