فهرس الكتاب

الصفحة 7001 من 27345

وقد جمع الله بإبراهيم ثلاث بشارات في هذه الآية: وهي أن المولود سيكون غلامًا، وأنه سيبلغ الرشد وأنه سيكون حليمًا، والحليم هو من لا يتسرع في الأمور ويتحمل المشاق. وهذا الغلام الذي بُشر به هو إسماعيل نبي الله ابن نبي الله إبراهيم وهو الذي ينتسب إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد ابتلى الله إبراهيم وولده إسماعيل ببلاء عظيم كبير، فبعد أن رزق الله إبراهيم بهذا المولود المبارك إسماعيل على كبر وشيخوخة ، وشب الغلام وترعرع ، ونشأ نشأة التقى والصلاح، وبلغ السن التي تمكنه من أن يعين أباه في أمور الحياة والمعاش، رأى إبراهيم عليه السلام في منامه رؤيا أن الله يأمره بذبح ولده ـ ورؤيا الأنبياء حق وهي وحي ـ فما كان من إبراهيم عليه السلام إلا أن أسرع إلى تنفيذ أمر الله، دون تلكؤ أو تردد ولكنه قبل أن يقدم على الأمر، أراد أن يختبر ولده، ويرى مقدار استجابته وطاعته لتنفيذ أمر الله عز وجل.

إنه لأمر شاق وعظيم على النفس أن يذبح الوالد ولده، إنه لم يؤمر بأن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة ولا أن يكلفه أمرًا تنتهي به حياته، وإنما طلب إليه أن يتولى ليذبحه بيده، ثم يقابل الأمر بهدوء وسكينة ، إنه لا يأخذ ابنه على غرة وينتهي، إنما يعرض الأمر عليه لأنه أمر الله فليكن ما يريد الله على العين والرأس، فعلى الابن أن يعرف الأمر ويأخذه طاعة وإسلامًا، لا قهرًا واضطرارًا ، لينال كلاهما أجر الطاعة والاستسلام والانقياد لله رب العالمين.

لتستمعوا إلى الآيات البينات وهي تقص علينا قصة الذبح والفداء ، قصة التضحية والامتثال: ? فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ...? أي السن التي يمكنه أن يسعى مع أبيه، في أشغاله وحوائجه،?... قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ? [الصافات102] .

انقياد واستسلام وامتثال .. إن الكلمات لتعجز عن وصف هذا القول الذي يتمثل فيه الرضى التام بتضحية النفس في سبيل الله ، تضحية: الوالد بولده، وتضحية الابن بنفسه . إبراهيم الحريص على الذرية والذي رزق بهذا الولد وهو في سن الشيخوخة.. الولد الذي هو مهجة القلب، ووارث اسمه يأمره الله أن يضحي بابنه ليمتحن إيمانه، ويرى مبلغ استجابته لأمره.. فيلبي نبي الله مسرعًا لإجابة دعوة الله ، لا يتردد ولا يخالجه شعور، إلا شعور الطاعة والإذعان بتنفيذ أمر الله، دون أن يسأل ربه أو يتردد.

ألا ما أعظمه من موقف وما أرفقها من صورة ناصعة من صور الإيمان وما أعظمها وأجلها في تاريخ الإنسانية ، فليس الإيمان ادعاءات تلوكها الألسن، وليس الإيمان تسلية للأحزان لفترة ما، وليس الإيمان نظرية من النظريات الفلسفية التي يعيشها العقل ويغوص أو يخوض في خفاياها. كلا بل الإيمان اعتقاد في القلب وأقوال باللسان وعمل وتضحية وجهاد، وانقياد وطاعة وامتثال لله رب العالمين.

ويمضي إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومعه ابنه البار الكريم إسماعيل في تنفيذ أمر الله، وإذا بالأب يضع ابنه على شقه، ويضع السكين على حلقه، ويمرها فوق عنقه، كأنما يذبح كبشًا، يقدم ولده فلذة كبده ، قربانًا لربه، ولكن السكين لم تقطع، فقد سلبها الله خاصية الذبح والقطع، كما سلب النار خاصية الإحراق عندما ألقي إبراهيم في النار.. قال تعالى: ? فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ? [الصافات: 103] يعني استسلما لأمر الله عز وجل ، وخضعا لحكمه وقضاءه، ? وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ? [الصافات: 104-107] ناديناه يا إبراهيم: قد نفذت ما أمرت به وحصل المقصود من رؤياك، بإضجاعك ولدك للذبح ، فهذا هو الامتحان المبين، الذي يتميز به الصادق من المنافق، ويفدي الله هذه النفس التي أسلمت وامتثلت، يفديها بذبح عظيم، قيل إنه كبش وجده إبراهيم مهيأً بفعل ربه وإرادته ليذبحه بدلًا من إسماعيل.

أيها المؤمنون ما أحوجنا اليوم إلى الأخذ بهذا الدرس في هذا الزمن الذي أصبح فيه المال والولد والمرأة ، يستأثرون بحب الإنسان الذي يؤثرهم على كل شيء حتى أصبحوا معبودات له من دون الله ، ألا ما أحقر الإنسان حين يعيش عبدًا لغير خالقه وبارئه وما أرفع شأنه حين يحقق العبودية ويخلصها لله بامتثال أمره واجتناب نهيه والتسليم له والانقياد التام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت