وقال ذو النون المصري: الناس على طريق ما لم يزل عنهم الخوف ، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق، ولم لا يكون الخوف على هذه الدرجة من الأهمية؟ وقد مدح الله أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام ، فقال عنهم: ?... إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ? [ الأنبياء: 90] ، وقال عن المؤمنين: ? وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ? [ الرعد: 21] .
وأثنى على الملائكة لخوفهم الشديد من ربهم فقال: ? يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ? [ النحل: 50] ، ?... وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ? [ الأنبياء:28] .
ووبخ الله الكفار على غفلتهم وجرأتهم على محارم الله فقال على لسان نبيه: ? مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ? [ نوح: 13] ، قيل في التفسير لا تخافون عظمة الله.
إن الخوف من الله هو الذي منع ابن آدم الأول أن يقتل أخاه عندما هم بقتله فقال: ? لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ? [المائدة: 28] .
الخوف من الله هو الذي دفع الرجلين من بني إسرائيل إلى حث قومهما على الشجاعة والثبات والدخول عل الجبارين لجهادهم ومقاتلتهم: ? قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ? [ المائدة: 23] .
والخوف من الله هو الذي أعان القلة الباقية مع طالوت على الثبات وهزيمة جالوت وجنوده كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ? قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ? [ البقرة: 249] .
والخوف من الله والإيمان به هو الذي جعل أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يقولون حينما خوفهم المرجفون بالناس فكان كما قال سبحانه عنهم: ? الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ? [ آل عمران173] .
الذين يخافون الله لا يخشون غيره كائنًا من كان وقديمًا قال الحسن البصري رحمه الله: من خاف الله خاف منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه كل شيء.
الخوف من الله هو الذي يدفع العباد إلى إخلاص الدين والعمل لله فلا يبتغون به جزاءًا دنيويًا، ولا مدحًا أو ثناء وإطراء من الناس كما قال تعالى عن المؤمنين: ?وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ? [ الإنسان:8-10] .
الخوف من الله عز وجل من أهم صفات ومواصفات جيل النصر جيل التمكين والاستخلاف في الأرض كما قال سبحانه وتعالى: ? فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ? [ إبراهيم:13-14] .
إن الخوف من الله عز وجل هو حقيقة التقوى، هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال تعالى: ?... وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ...? [ النساء: 131] .
الخوف من الله عز وجل هو سبيل الفوز يوم القيامة كما قال سبحانه: ? وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ? [ النور: 52] .
الخوف من الله هو رأس الحكمة كما قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - خير الزاد التقوى ورأس الحكمة مخافة الله.
والناس إنما يقتربون ويبتعدون عن ربهم بمقدار التقوى والخوف من قلوبهم يقول سبحانه: ? ... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ...? [ الحجرات:13] ، والعبادات والطاعات التي شرعها الله هي من أجل زيادة التقوى والخوف من الله ، وخضوع القلوب وخشوعها لبارئها وخالقها فليس المطلوب من العبادات والطاعات بجوارحهم، دون أن تتأثر بها قلوبهم، قال تعالى عن الأضاحي والهدايا التي يتقرب بها إلى الله يوم النحر: ? لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ...? [ الحج: 37] فالمراد من إراقة دماء الهدي في الحج هو زيادة التقوى في القلوب.
وكذلك الحال في سائر العبادات والطاعات، فشهادة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هي كلمة التقوى من قالها خالصًا من قلبه عاملًا بها دخل الجنة.