والصلاة عنوان الفوز والفلاح مربوطة بالخشوع ? ...وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ? [ البقرة: 45] ، ? َقدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ? [ المؤمنون:1-2] ، ? وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ? [ الإسراء: 109] .
والزكاة تطهر النفس وتسمو بها وهي دليل الصدق والإيمان: ? خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ...? [ التوبة: 103] ، والصدقة برهان والصوم الذي فرضه الله تعالى إنما هو لتربية الروح والنفس على الإيمان والتقوى ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ? [ البقرة: 183] .
والقرآن إنما ينتفع به الذين يخافون ويتقون ? وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ? [ الأنعام: 51] ، ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا... ? [ الأنفال:2] .
فالتقوى هي مقصود العبادات والطاعات، ولذلك أمر الله تعالى عباده بالتزود منها فقال سبحانه: ?... وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ? [ البقرة: 197] .
الخطبة الثانية:
الخوف من الله تعالى أصل كل خير في الدنيا والآخرة كما قال أو سليمان الداراني: الخوف من الله عز وجل هو سمة الأنبياء والصالحين، يقول - صلى الله عليه وسلم -:"إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصَعُدات تجأرون إلى الله تعالى"، وقال أبو بكر - رضي الله عنه: يا رسول الله، أراك شبت؟ فقال:"شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت".
ويقول عبد الله الشخير بن عوف - رضي الله عنه -: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء.
وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه كان يمسك بلسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد، وكان يبكي كثيرًا خوفًا من الله.
ويقول: ياليتني خَضرة تأكلني الدواب.
وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قرأ سورة الطور.. حتى إذا بلغ قول الله عز وجل: ? إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ? [ الطور:7] بكى واشتد بكاؤه، حتى مرض وعاده الناس.
وكان في وجهه - رضي الله عنه - خطان أسودان من البكاء، قال له ابن عباس رضي الله عنهما في مرض موته: يا أمير المؤمنين مصر بك الأمصار وفتح بك الفتوح وفعل وفعل فقال: وددت أن أنجو ولا أجر ولا وزر. وعثمان بن عفان - رضي الله عنه -، كان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير.
وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يبكي خوفًا من الله.. وكان يقول يا دنيا غري غيري، وأبو الدرداء - رضي الله عنه - كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء، قد علمت فكيف عملت فيما علمت.
وقرأ تميم الدري - رضي الله عنه - ليلة سورة الجاثية فلما أتى على هذه الآية? أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ? [ الجاثية: 21] ، جعل يرددها ويبكي عليها حتى أصبح وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله إذا ذكر الموت خنقته العبرة وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذكرت الموت هان علي كل أمر الدنيا، إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل.
أيها المؤمنون إن اضطراب أمورنا وأحوالنا وفسادها سببها عدم الخوف من الله والدار الآخرة، فسبب إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين واستكبار المستكبرين هو عدم خوفهم من الله والدار الآخرة كما قال تعالى فيهم: ? كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ? [ المدثر: 53] ، فلو خافوها لما أعرضوا ولما غفلوا: ? فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ? [المدثر:49-53] .