وقال د. القرضاوي أن الرسول بعث إليهم - اليهود - أولا - الزبير بن العوام، أرسله يستشف ما عند القوم، فعاد إليه وأخبره الخبر فقال صلي الله عليه وسلم مثنيا علي الزبير: أن لكل نبي حواريا وحواري الزبير.. ومرة قال له: ارم فذاك أبي وأمي، ولم يكتف النبي بذلك، بل أرسل من الأنصار من حلفاء هؤلاء اليهود من يتأكد من هذا، من الأوس مثل سعد بن معاد وسعد بن عبادة وغيرهم.. أرسل إليهم أبا لبابة بن المنذر، فجاءوا وأشاروا للرسول عن طريق الكتابة أن القوم قد غدروا، فعلم ذلك علي رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولكنه بعد أن اضطجع فترة من الزمن يفكر في الأمر خرج إلي الصحابة يبشرهم: ابشروا بنصر الله وتأييده، لأن الغدر لا يكون عاقبته إلا الشر علي أصحابه فمن نكث فإنما ينكث علي نفسه ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهل.
وأضاف فضيلته: شق الأمر علي المسلمين وظلوا ليلا ونهارا يحفرون الخندق خصوصا بالليل، خوفا من أن يقتحم المشركون الخندق أو يغدر اليهود وهم في داخل المدينة، وقد قالوا مرة لأبي سفيان بن حرب زعيم قريش ومن معها: ابعث لنا بألف رجل ومن غطفان ألفا ليغير علي محمد، ولكن الله ثبطهم، ورأوا النبي في حراسة ليلا ونهارا، وكان النبي يحلف أن يحرس الصحابة المدينة وأن يطوفوا بها خوفا علي النساء والذرية خوفا عليهم من غدر اليهود فكانوا يطوفون ويكبرون: الله أكبر الله أكبر، فكان اليهود كلما سمعوا التكبير فُتَّ في عضدهم، ودخل الهلع علي نفوسهم فلم يستطيعوا أن ينفذوا ما عزموا عليه.. وكان المشركون يحاولون أن يجدوا مضيقا في الخندق الذي حفره النبي وأصحابه، وبذلوا فيه الجهود وتعبوا وعلي رأسهم رسول الله، لما رأوا هذا الخندق قالوا هذه مكيدة ما كانت لتكيدها العرب، فالعرب يحاربون في المدن المكشوفة.. لكنهم ظلوا ليجدوا فرصة ليقتحموا الخندق والمسلمون لهم بالمرصاد.. رماة النبال والسهام كلما رأوا جماعة يقتربون من الخندق رموهم.
اختراق فاشل
وقال إن جماعة منهم من الشجعان وجدوا مضيقا في ناحية من النواحي فألهبوا ظهور خيولهم فاقتحموا الخندق، من هؤلاء عمرو بن عبد ود العامري وضرار بن الخطاب وعكرمة بن أبي جهل، اقتحموا، وإذا بهم يدخلون أمام المسلمين وعمرو هذا من فرسان العرب المعروفين، الذي لا يقف أمامه أحد، فوقف يتحدي ويقول يا أصحاب محمد هل من مبارز، قال له علي بن أبي طالب أنا له يا رسول الله.. فقال له يا علي: انه عمرو، اجلس، وتحدي عمرو مرة أخري ورد الرسول الرد نفسه، ثم قال عمرو: يا أصحاب محمد: كنتم تدعون أن عندكم جنة من قتل منكم في الميدان دخلها، أين جنتكم هذه هنا نهض علي وقال أنا له يا رسول الله وقام وقال له مستصغرا سنة: يا بني أليس هناك أحد من أعمامك يأتي بدلا عنك فإني لا أحب أن أقتلك، قال له علي: ولكني والله أحب أن أقتلك، فحمي الرجل وكان راكبا فرسه نزل عنه وعقر فرسه بسيفه وكان علي راجلا وهو فارس فضربه عمرو وتلقاها علي، فضربه ضربة أصابه فيها وقتله وكبر المسلمون.. وعرف النبي أن صنديدا من صناديد الكفر قد قتله الله وكبه علي وجهه إلي النار.. ولحق الزبير بنوفل بن عبد الله المخزومي، لحقه الزبير فقتله، وقيل اندقت عنقه وهو يقتحم الخندق فأراد أهله أن يأخذوا جثته وأرسلوا للنبي: نعطيك عشرة آلاف درهم وأرسل لنا جثته فقال لا حاجة لنا فيها، انه خبيث جثته خبيثة، خبيث دينه: خذوه، لا نأكل تمن الموتى.
الحصار مستمر
وذكر فضيلته أن الحصار قد طال، امتد ما يقرب من شهر، لا يكاد المسلمون ينادون أو يشبعون من طعام، فهو قليل في المدينة، والحصار جعلها محاطة لا يصل إليها شيء ولا يستطيعون الخروج منها.. قال: لذلك ظهر النبي لأصحابه خاويا يكاد بطنه يلتصق بظهره، رأي ذلك جابر بن عبد الله فذهب إلي امرأته وقال لها ذلك، أأجد عندك شيئًا يؤكل فقال ما عندي إلا هذه الشاة الصغيرة ومُدَّ من شعير، فقال لها لنذبح هذه الشاة وخذي هذا المد وأخبزيه فإني سأدعو رسول الله صلي الله عليه وسلم.. فلما صنعوا الطعام ذهب إلي النبي وقال له لقد صنعت لك طعاما فتعال وادع
من أحببت من أصحابك فإذا بالنبي يأتيه بأفواج من الصحابة مئات، فقال جابر في نفسه إنها الفضيحة، فدخل لامرأته وأخبرها بالأفواج وبالطعام القليل، قالت له: أنت دعوتهم أم هو الذي دعاهم، قال بل هو قالت له دعهم هو اعلم بما يفعل، فالنبي قال لهم: ضعوا اللحم في القصعة، والخبز أخرجوه من التنور وغطوه، ويكشف ويأخذ من كليهما ويغلق، يقول جابر يأخذ منه وكأنه لم ينقص.. حتى أكل الرسول وأصحابه وشبعوا وجابر وأهله والخير باق والحمد لله.. وكان هذا من آيات الرسول صلي الله عليه وسلم ومعجزاته التي يكرمه الله بها في ساعات الشدة.