(وإذا تُتلى عليهم آياتُنا بينات ما كانَ حُجَّتَهُم إلا أن قالوا ائْتُوا بئَابآئِنَا إن كنتم صادقين) [الجاثية:25] .
وفي مجال الزعم بأن الكون مكتف بنفسه غير محتاج إلى قوة من خارجه قالوا:
(وقالوا ما هي إلا حياتُنَا الدنيا نموتُ ونحيا وما يُهلكُنآ إلا الدهر) [الجاثية:24] .
وكذلك فسروا حوادث التاريخ بأنه مصادفات من فعل الدهر لا أقدار خالق حكيم .
(وما أرسلنا في قرية من نبيٍ إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . ثم بدلنا مكان السيئةِ الحسنةَ حتى عَفَوا وقالوا قد مَسَّ ءَابآءَنا الضرآء والسرآءُ فأخذناهم بَغْتَةُ وهم لا يشعرون) [الأعراف:94-96] .
قال ابن كثير:"وقالوا قد مسنا البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر ، وإنما هو الدهر تارات وتارات …" [4]
وأما الفكر اليوناني الذي يمثل أقوى جذور الفكر الغربي المعاصر فقد كان فكراَ شركياَ إلحادياَ وقد وجدت في هذا الفكر جذور الفلسفة المادية الإلحادية في شكل المذهب الذري الذي قال به ليوسيبس في حوالي منتصف القرن الخامس قبل المبلاد ، كما قال به من بعده واشتهر به ديمقريطس ، خلاصة هذه الفلسفة أن كل الموجودات تتكون من ذرات مادية صلدة لا تنقسم ، وأن هذه الذرات أزلية في ذاتها وفي حركاتها وأنه لا خالق لها ومدبر لأمرها . وأرسطو الذي انتقد هذا المذهب كان هو نفسه معتقداَ بأزلية الكون وأزلية الحركة وهو اعتقاد يتنافي مع وجود الخالق ويتسق اتساقًا تامًا مع المادية الإلحادية.
وكما أن بعض من سموا بفلاسفة الإسلام من أمثال ابن سينا تأثروا بالفلسفة الأرسطية وقالوا كما قال بأزلية العالم ، فقد تأثرت بعض الفرق الإسلامية بالمذهب الذرى فقالوا إن الكون مكون من ذرات وأن الخَلْقَ إنما هو جمع وتفريق لهذه الذرات . ولم يقتصر تأثر المسلمين بالفلسفة المادية الإلحادية على هذا فقط بل إن بعض من سموا بفلاسفة الإسلام كانوا يحاولون جهدهم أن يفسروا كل شيء إسلامي في هذا الإطار الإلحادي اليوناني ، فقالوا لذلك إن الملائكة هي قوى الخير والجن قوى الشر ، والله هو العقل الفعّال والوحي قوى نفسانية إلى غير ذلك من المسائل التي كفّرهم بسببها علماء الإسلام .
الفريق الثاني من المتأثرين بهذا التصور هو فريق المنتسبين إلى الإسلام صدقًا أو نفاقًا ، والذين يتصورون الوجود ، بل ويحاولون تفسير الإسلام ضمن هذا الإطار الإلحادي كما فعل أسلافهم ممن سموا بفلاسفة الإسلام - هؤلاء في نظري أخطر من الفريق الأول ، فالفريق الأول عدو سافر ، وهذا عدو مستتر . فنقل الإلحاد إلى جماهير المسلمين بوساطتهم أيسر وتلبيسهم عليهم أشد. ولا يستغربن أحد ما أقول، فإن مؤرخي الفكر الغربي يَرُدون جذور الإلحاد إلى فلسفات"ديكارت"و"كانت"رغم أنهما كانا يؤمنان بوجود الله ، ولكن العبرة ليست بما يؤمن به الكاتب في داخل نفسه بل بما يدل عليه قوله وما يلزم عن هذا القول.
أنا لا أريد أن أقول إن كل ما يفسر الإسلام ضمن هذا الإطار ملحد حقًا ، مظهر للإسلام - إن أظهره - نفاقًا ، ذلك لأنني أظن أن الكثيرين منهم يقبلون هذا الإطار على أنه الإطار العلمي وهم حين نحسن الظن بهم يريدون أن يُبينوا أن لا تعارض بين الإسلام والمنهج العلمي والحياة المعاصرة ، ولذلك فإنهم يقدمون تفسيراتهم هذه على أنها التفسير الذي يقتضيه العلم وتقتضيه مسايرة الإسلام لظروف العصر لا على أنه التفسير الإلحادي للدين وهم في هذا سالكون منهج كثير من المفكرين المسيحيين مشابهون لهم أو متَشبهون بهم .
هذا الفريق نوعان منهم من قبل هذا الإطار لا في مجال التشريع العملي فحسب بل وفي مجال العقيدة أيضا ، ومنهم من قبل لوازمه في مجال التشريع ، وإن لم يقبلها في محال العقيدة أو ظل على الأقل صامتا عنها في هذا المجال .
ولبيان خطر هذا التصور في مجال العقيدة وشناعته أقول: