فهرس الكتاب

الصفحة 7173 من 27345

إن الإيمان بالله واحداُ لا شريك له هو لُب الإسلام وعماده ، فهو الإطار الذي يحوي كل تفاصيله ، وهو الأساس الذي تبنى عليه كل فروعه ، وهو المقدمة التي تستخلص منها كل نتائجه . والعلم بالله تعالى هو أشرف العلوم وأنفعها لأنه كلما ازداد علم الإنسان بالله ازداد إيمانه به وثقته فيه توكله عليه وحبه له وخوفه منه ، ورجاؤه وشكره وطاعته وسائر الحالات والصفات المعبرة عن إخلاص العبودية له تعالى . وقد تفضل الله تعالى فعرفنا بنفسه في كتابه المنزل ، وعلى لسان نبيه المرسل . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعرف الناس بالله وأشدهم له خشية ، وكان أصحابه من بعده أعرَف هذه الأمة بربها وأشدها له خشية. والطريقة التي سار عليها هؤلاء الأصحاب في فهم ما قاله الله تعالى عن نفسه ، وما قاله عنه رسوله أن يُثبتوا له كل صفة أثبتها لنفسه في القرآن أو السنة على أنها صفة حقيفية وأن ينفوا عنه كل ما نفاه عن نفسه. فإذا قال تعالى إنه سميع بصير حي قيوم ، أثبتوا له هذه الصفات، وإذا قال إنه تعالى يُحب ويرضى ويكره ويغضب قالوا عنه ما قال عن نفسه، وإذا أثبت لنفسه وجهًا ويدًا قالوا إن له وجهاُ ويداُ، وإن قال (الرحمن على العرش استوى) أثبتوا لله صفة الإستواء وآمنوا بأن العرش والكرسي من مخلوقاته، ولم يُمثلوا شيئًا من هذه الصفات الإلهية بصفات المخلوقين لأنهم يعلمون أن الله ليس كمثله شيء ، ولم ينفوها عنه أو يؤولوها تأويلًا يُبطل حقيقتها لأنهم يعلمون أن ذاتًا بلا صفات حقيقية هي وهم لا حقيقة له. على منهج هؤلاء الصحابة الكرام سار من جاء بعدهم من كبار التابعين وتابعيهم وسائر أئمة أهل السنة والجماعة . ولكن هذا العلم بالله تعالى الذي هو أشرف العلوم وأهمها لا يكاد اليوم يُوجد إلا عند قلة من الناس وذلك لأسباب تاريخية منها تأثر المسلمين بعقائد ومذاهب جاهلية أهمها الفلسفة اليونانية المادية . لقد أثرت هذه الفلسفة في علم الكلام، وصار علم الكلام - مع الأسف - هو المختص بموضوع العقيدة وصفات الخالق تعالى، ولكن هذا الاتجاه المنحرف يُعضّد اليوم بأسباب جديدة هي تأثر المسلمين المتزايد بالتصورات الغربية المادية .

لقد كانت المعرفة الصحيحة بالخالق تعالى تقول إنه هو الحق ، وكانت تقول إن أصدق كلمة قالها الشاعر"ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطل"وإذا كان الله تعالى هو الحق ، بإطلاق ، فإذا أثبت نفسه صفة كانت في حقه صفة حقيقية يتصف بها على وجه الكمال اللائق به سبحانه ، وإذا اتصف المخلوق بهذه الصفة كانت في حقه أيضا صفة حقيقية على وجه النقص اللائق بالمخلوق . فالله تعالى عليم حكيم رحيم سميع بصير والمخلوق موصوف بالعلم والحكمة والرحمة والسمع والبصر ، فالأوصاف في الحالين أوصاف حقيقية لا مجازية ولكنها في حق الله تعالى أحق لأنه هو الحق بإطلاق ، وهي في حقه أوصاف كمال لا يماثلها ولا يدانيها أوصاف المخلوقين .

ثم تغير الحال ، فاعتبر الناس -بلسان الحال إن يكن يكن بلسان المقال- وجود المخلوقات المشهودة هي الوجود الحقيقي ، فصفاتها هي الصفات الحقيقية ، وما لم يكن هاديا مشهودا فهو إلى الفكرة الذهنية أقرب منه إلى الحقيقة الواقعية ، ونتج عن هذا التصور اتجاهان منحرفان:

اتجاه يقول بما أن الصفات على الحقيقة إنما هي صفات الأجسام المشهودة فلا بد أن يكون الله جسمًا، وإذا نسب لنفسه يدًا فلا بد أن تكون كيدنا لحمًا ودمًا، وإذا قال إنه سميع بصير فلا بد أنه يسمع بأذنين مثل آذاننا ويرى بعينين مثل عيوننا، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرًا، هؤلاء هم الذين سُموا في تاريخ الإسلام بالمُشَبِهة والمُجَسِمَة.

واتجاه يقول بما أن الصفات على الحقيقة إنما هي صفات الأجسام المشهودة ، وبما ان الله تعالى ليس كهذه فإنه لا يتصف بها حقيقة بل مجازًا ، ولذلك فقد رفض الغلاة منهم أن يُثبتوا لله تعالى أي صفة من الصفات فرفضوا حتى القول بأنه موجود، لأن هذا بزعمهم تشبيه له بالمخلوقات، وهؤلاء هم الذين عُرفوا في تاريخ الإسلام بالجهمية .

ولذلك فإن أهل السنة حين يبينون عقيدتهم يميزون أنفسهم عن هذين المذهبين الضالين ، فيقولون إنهم يثبتون لله ما أثبت لنفسه من غير تشبيه ولا تمثيل (وهو المذهب الأول) ولا تحريف ولا تعطيل (وهو المذهب الثاني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت