وقد أثر هذا الاتجاه الأخير في كثير من الفرق الإسلامية حتى تلك التي تنتسب منها إلى أهل السنة والجماعة فلجأوا إلى مثل تأويلهم التعطيلي لبعض الصفات التي ظنوها لا تكون حقيقة إلا في حق المخلوقين، فقالوا مثلًا عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) أي استولى فكان رد أئمة أهل السنة عليهم أولا أن الاستواء لا يعني الاستيلاء في اللغة فالتفسير خطأ إذن من حيث اللغة ، وثانيا على فرض أنه الاستيلاء فهل تقولون إن الله تعالى استوى كاستيلاء البشر ؟ إن قلتم نعم صرتم مشهبة وإن قلتم استولى استيلاء لا كاستيلاء البشر؟ فلماذا لا تقولون استوى لا كاستواء البشر كما قال سلف الأمة الراشدين .
لكن هذا المذهب التعطيلي يعود إلى الظهور من جديد فينتشر بين كثير من المتدينين من المسلمين وغيرهم ، وما ذلك إلا لأنه يجد سندًا من التصور المادي المعاصر ، هذا التصور الذي يقول كما رأينا سابقا إن الوجود الحقيقي إنما هو وجود الذارت المادية ومركباتها ، ومن البديهي أنه لا مجال للخالق في نطاق هذا التصور ، إذا قلنا إن صفاته صفات حقيقية ، لابد إذن من تأويل هذه الصفات واعتبارها مجازًا أو رموزًا ولكن هذا معناه أن الخالق تعالى يكون مجرد فكرة في الأذهان لا وجود حقيقي لها في الأعيان . فلا يوصف لذلك بصفة ثبوتية فيقال إنه كذا وكذا ، بل تكون كل صفاته سلوبا فيقال أنه ليس كذا وليس كذا ، هكذا قالت الجهمية في الماضي ، وهذا يقول رجل كالأستاذ محمد أسد: إنه يقول عن الله تعالى ما ترجمته"… إننا لا نستطيع أن نتخيله"وهذا صحيح ، إذا كان المقصود به أن تكون له صورة كيفية في أذهاننا ، ثم يقول"كل ما نستطيع أن نعرفه عنه أنه ليس كذا وكذا" [5] . ثم يمضي لذلك فيؤول صفاته الثبوتية كالاستواء والسمع والبصر بل ويُؤول السماوات والكرسي .
وما يقال عن الله تعالى يقال عن عالم الغيب كله تقريبا . إن المحاولة دائما هي تأويل هذه الحقائق بحيث تصبح قابلة لأن تكون جزءًا من الأطار المادي. يقول الشيخ محمد عبد ه عن الملائكة في كلام طويل في تفسيره:"فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فأنما قوامه بروح إلهي سمى في لسان الشرع ملكًا. ، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية ، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها ، وبه قوامه ونظامها ، لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكًا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسًا طبيعيًا ، لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع ، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات" [6] ثم انتقد تعريف الملائكة بأنها أجسام نورانية قابلة للتشكل بأن النور وحده لا قوام له يكون به شخصًا ممتازًا بدون أن يقوم بجرم آخر، وأن الشيء الواحد لا يمكن أن يتقلب في أشكال من الصور مختلفة [7] .
يقول تلميذه الأستاذ رشيد رضا - عليه رحمة الله -
"هذا ما كتبه شيخنا في توضيح كلامه في تقريب ما يفهمه علماء الكائنات من لفظ القوى إلى ما يفهمه علماء الشرع من لفظ الملائكة" [8]
وأقول لا بأس على الداعية إلى الإسلام أن يقرب معاني ألفاظه إلى الناس بالمألوف من ألفاظهم ومعارفهم ، ولكن هذا شيء وتفسير حقائق الإسلام بما يوافق أجواء العصر شيء آخر . وما فعله الأستاذ محمد عبده هنا هو من القبيل الثاني لا الأول، والذي يغرى الداعية الحديث بالوقوع في مثل هذا التفسير هو أن كثيرين من معاصرينا يقبلونه ويرتاحون إليه ويعتبرونه التفسير الذي يقتضيه العقل ، ولكنهم إنما يقولون هذا لأنهم متأثرون بثقافة عصرهم، لا لأن عقولهم أكبر من الأسلاف الذي قبلوا حقائق الغيب كما وصفها الله تعالى . إن كل ما يخالف العقل باطل لا محالة ، ولكن ما العقل؟ إن كثيرا من المفكرين يسلمون بمقدمات باطلة في تصورهم للكون ، ثم يعتقدون أن المعقول هو ما كان موافقا لتلك المقدمات فيخلطون بين الممكن عقلًا والممكن في حدود إطارهم التصوري ، بل إن من الخطأ الذي نبه عليه كثير من العماء الغربيين أنفسهم الظن بأن الممكن عقلًا يطابق الممكن في حدود العلم التجريبي .