هذا خطأ ، لأن دائرة الممكن عقلًا أوسع من دائرة الممكن تفسيره في حدود العلم التجريبي ، إذ لو كان الأمر كذلك لصح أن نقول إن كل ما لا يمكننا تفسيره في حدود علمنا التجريبي ، فهو وهم لا حقيقة له ، ولو آمن العلماء بهذا المبدأ لتوقف العلم عن التقدم منذ زمن طويل ، ولكن القحيقة أن ما لم يمكن تفسيره في حدود العلم بالأمس أمكن تفسيره اليوم وما لا يمكن تفسيره اليوم سيمكن غدا بإذن الله ، وذلك لأن دائرة العلم في اتساع دائم، ولكن العلم التجريبي مهما اتسعت دائرته فلن يستطيع تفسير بعض الحقائق، لا لأن تفسيرها غير ممكن ، ولا لأنها مخالفة للعقل ، ولكن لأنها تقع خارج المجال الذي حدده هذا العلم لنفسه ، وكونها خارج المجال لا يعني أنها أوهام أو دعاوى لا دليل عليها بل إن عليها لأدلةً تتناسب مع طبيعتها ، ولكن هذا ليس مجال الإضافة في هذا الموضوع .
من الخطأ الشائع تسمية أصحاب هذه المدرسة بالعقلانيين إذ ما كل من ادعى الاحتكام إلى العقل بعاقل وكيف يكون عقلانيًا من يحد العقل بحدود الفلسفة المادية أو بحدود الممكن تفسير في حدو العلم التجريبي الذي بلغه الناس في زمانه؟ لو كان هؤلاء عقلانيين لصح أن نصف بالعقلانية أولئك الذين أنكروا إسراء الرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة ، لقد أنكروا أمرًا لا نعتبره اليوم مستغربًا حتى بوسائلنا المادية ، ولكنهم أنكروه لأن علمهم ضاق فحصر الممكن عقلا في المألوف لديهم من وسائل الانتقال ، وكذلك يفعل اصحاب هذه المدرسة المدرسة اليوم ، فيضيقون بكل أمر جاء به الذين لا يجدون له - إن أخذوه على ظاهره - تفسيرا في حدود معارفهم فيظنون هذا الظاهر مخالفا للعقل فيؤولونه تأويلات تجعله مناسبا لما حسبوه متقضى العقل وإنما هو مقتضى الأُلف والعادة ، ولذلك فإنهم يضيقون بكل ما ورد في القرآن والسنة من أحداث خارقة لمعتاد الناس ويؤولونها تأويلا يجعلها أمرا عاديا ، فالطير الأبابيل هي الجراثيم [9] ، ونتق الجبل فوق بني إسرائيل إنما كان زلزالًا وانفلاق البحر لموسى كان جزرًا [10] .
والنوع الثاني هي الذي لا يهتم بأمثال هذه التصورات الأساسية سواء كانت إسلامية صحيحة أو غربية باطلة ، ويعتبرها كلها لقصر نظره من الكلام النظري الذي لا يؤثر في الواقع العملي ، ولكنه مع ذلك متأثر بنتائج التصور الإلحادي في تصوراته الفكرية وتصرفاته العملية. فهو لا ينظر إلى الفكر الغربي في مجال الاقتصاد أو السياسة أو القانون … الخ على أنه تقاليد حضارية معينة قد تخطئ وقد تصيب، ولكنه يعطيه صفة الإطلاق فبحسب أن اقتصادهم هو الاقتصاد وقانونهم هو القانون ، وإن لم يقل الاقتصاد المطلق أو القانون المطلق فهو يراه على الأقل الاقتصاد أو القانون الذي يقتضيه العصر وتقتضيه الحضارة الإنسانية، ولذلك فإن كل ما في الإسلام مما يخالف التصور الإلحادي ينبغي أن يعاد تفسيره ، بحيث يصبح موافقا لمواصفات الحضارة الغربية ، والغريب أنهم يسمون كل هذا اجتهادًا وتجديدًا ، أغريب هو ؟ كلا فإن هذا هو المنهج الذي تسلكه كل الانحرافات فكرية كانت أو حقيقية ، إنها تسمى أباطيلها بأسماء براقة لا تعبر عن حقيقيتها ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم"ليشربنَّ ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها" [11]
ألم يقل الله تعالى عن المنافقين:
(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقون:4]
ألم يقل عن أعداء أنبياء الله:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) [الأنعام:112]
هذه هي النظرة التي جعلت بعضهم يتحرجون وبعضهم ينكرون أشياء مثل تعدد الزوجات ، ورجم الزاني المحصن، و قتل المرتد ، وحجاب المرأة ، وإعفاء اللحي ، وتحريم المعازف والربا واختلاط النساء بالرجال .
وسيقت للدفاع عن هذا الإنكار حجج وتّعٍلاّت من أوهي وأسخف ما يتصوره الإنسان، ولا عجب فإن الداعي إلى الإنكار ليس هو هذه الحجج وإنما معرفة المنكرين بأن هذه الأشياء مما يستبشعه العقل الغربي المعاصر، واقتناعهم بأن كل ما يستبشعه هذا العقل فهو الُمُستبشَع لأنه إنما ُينكر ويُستبشع ما كان مخالفا للعلم معرقلا للحضارة الإنسانية .
ولم يقتصر أثر الفكر الغربي على التصورات الاعتقادية والآراء التشريعية وإنما تعداه إلى الأذواق والظاهر فالزي القومي في كثير من بلاد ا لعالم الإسلامي أصبح دليل التخلف سيما فيما يتعلق بالنساء، وكل ما يفعله الغربيون رجالا ونساء بشعورهم جميل وكل ما نفعله نحن إن لم نقلدهم قبيح ، وإذا احتفلوا برأس السنة الميلادية فينبغي أن نحتفل وأن نحتلف بطريقتهم ، وإذا جعلوا لأبنائهم أعياد ميلاد فكذلك ينبغي أن نفعل ، إلى آخر ما لايكاد يُحصى من أنواع التشبيه .