فهرس الكتاب

الصفحة 7214 من 27345

والحقيقة إن تحريف مسائل الشرع - ولو كانت في عين البعض صغيرة - أمر في غاية الخطورة، وهو في واقع أمره من الكذب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا، فإن الشارع قد جوز للعالم، أو الداعية أن يكتم بعض العلم لمصلحة معتبرة يراها، وله في بعض الأحيان السعة في هذا الأمر .

ولكنه لم يجوز لهم بحال أن يغيروا أو يبدلوا شيئا مما بينه وقرره الشرع تحت أي دعوى ولا اعتبار لما يتوهمه البعض من المصالح الموهومة المتعلقة بذلك، بل جاء الوعيد الشديد، والتهديد الأكيد الذي يزجر القلوب عن ذلك أشد الزجر، ويردعها عنه أعظم الردع، كل ذلك إبقاء للحق على نصاعته، وحفظا له، وصيانة لمصادره .

فقد بوب البخاري رحمه الله قائلًا: [ بَاب: مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا ، وَقَالَ عَلِيٌّ:' حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ'؟] . وساق تحته حديث معاذ رضي الله عنه عندما كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه:'مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً' . رواه مسلم في مقدمة صحيحه.. هذا فيما يتعلق بترك بيان بعض العلم؛ جلبًا لمصلحة شرعية راجحة، أو درءًا لمفسدة كالتي ذكرها ابن مسعود رضي الله عنه .

أما تحريف الحق وتغييره والتصرف فيه، فهذا ما لا يجوز بحال، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه الذي أغرق فيه اليهود، ورفعوا لواءه قاتلهم الله أنى يؤفكون.

فينبغي التفريق بين:

-سعة الأمر في كيفية الدعوة، واختيار الأسلوب المناسب، والوقت الملائم.

-وبين حفظ ما يدعو المسلمُ إليه، وعدم خدشه، وتمييعه.

ونضرب لذلك مثلًا يتضح به المراد أكثر، ويتجلي به المقصود من واقع توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في مثل هذه المسائل:

فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ بِهِمْ الْبَقَرَةَ قَالَ فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَتَجَوَّزْتُ فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ثَلَاثًا اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَنَحْوَهَا] رواه البخاري ومسلم.

فالمفسدة التي وقعت لهذا الرجل، وهي نفوره من الصلاة، وتركه الجماعة، وانفصاله عن إمامه لم يهملها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يغض الطرف عنها، بل اعتنى بها أشد الاعتناء، وأولاها بالغ الاهتمام، ولكنه لم يعالجها بشيء يقدح في حقيقة الصلاة الشرعية المأمور بها، فلم يأمر معاذا بترك شيء من واجبات الصلاة، أو أركانها، أو حتى مستحباتها بل أرشده إلى الإبقاء على الحقيقة الشرعية، والهيئة الصحيحة مع إقامتها بما يتناسب مع من خلفه من الضعفة، وذوي الحاجات، فالصلاة بقيت صلاة على حالها بصورتها وهيئتها.

وهكذا.. ينبغي أن تبقى كل الحقائق الشرعية التي ندعو الناس إليها، ونعلمهم إياها، ولكن نقدمها بالأسلوب المرتجى أن يكون سببًا في تقبلهم لها، واقتناعهم بها .

أما العبث في تلك الحقائق والتصرف بها النقص والزيادة فيها من أجل الناس؛ فهذا ما لا يقره الشرع، وهي هفوة عظيمة، وزلة جسيمة في حقه .

وأوضح من حديث معاذ رضي الله عنه في إيضاح هذه المسألة المهمة حديثُ الأعرابي الذي بال في المسجد:

فعن أنس رضي الله عنه قال:جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. رواه البخاري ومسلم. وقال لأصحابه رضوان الله عليهم لما زجروا الأعرابي وشددوا عليه: [ إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ] رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت