فهرس الكتاب

الصفحة 7215 من 27345

فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أقر أصحابه على أن ما فعله هذا الأعرابي منكر ينبغي تغييره وإزلته، ولكن نهاهم عن الأسلوب والطريقة التي أرادوا بها تغيير ذلك المنكر، وهي زجرهم وتناولهم للأعرابي، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم الكيفية الصحيحة والأسلوب الأمثل القويم في إزالة ما رأوه من ذلك المنكر، ولهذا ترك الأعرابي حتى فرغ من بوله فدعاه وقال له: [إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ] رواه مسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم معلمًا لأصحابه، ومرشدًا وموجهًا لهم لما وقع منهم ما وقع مع هذا الأعرابي: [ إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ] رواه البخاري.

والصحابة إنما وقع منهم الخطأ في هذه الحادثة في الكيفية التي أرادوا بها تغيير ما رأوه من المنكر بمعنى أن ' التعسير ' كان في الأسلوب الذي اتخذوه لذلك، أما كون ما فعله الأعرابي من البول في المسجد منكرًا فهذا شيء لم ينكره عليهم صلى الله عليه وسلم بل أقرهم عليه من خلال تعليمه للأعرابي، وإراقة الماء على بوله، وهذه القصة تشير إلى مثيلاتها وتبين حكم نظيراتها، وقد استطردنا في هذه القضية؛ لأهميتها، وبسبب الخلط الواقع فيها، وسوء فهم الكثيرين لها .

وكما ذكرنا فإن هم الخطيب، أو الداعية، أو الكاتب ينبغي أن لا يكون محصورًا في إيصال ما عنده فحسب دون اعتناء وحرص لفهم المخاطبين لقضيته، واستيعابهم لمقاصده ومسائله، فكثيرا ما تسمع:

'عليك بالبلاغ، ولا يهمك مَن قَبِل ممن لم يقبل'، وهذه الكلمة تحتمل معنى صحيحًا - وإن كان ليس المتبادر إلى الأذهان - وتحتمل معنى خاطئًا:

أما المعنى الصحيح: فهو أن المسلم ينبغي أن تشد همته نحو الدعوة إلى الله، وتبليغ دينه وإيصاله للناس، ويبذل جهده في اختيار الأساليب وتنويعها بحسب أحوال من يخاطبهم، والصبر عليهم في تفهيمهم الحق، ثم بعد ذلك من نكص على عقبيه، وأعرض، فلا يحمل الداعية همّه، ولا يحرف الحق لأجله، أو يشوه صورته، ويمسخ شخصه استعطافًا لقلبه، فيكون معنى العبارة آنفة الذكر من نحو قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [21] لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [22] } [سورة الغاشية] . وغيرها من الآيات .

أما المعنى السقيم لتلك العبارة: فهو أن الداعية لا يعتني بأساليب الدعوة، ولا يهتم بوسائلها، ولا ينظر إلى حال من يخاطبهم، ولا يعتبر أحوالهم وعقولهم ومستوياتهم، إنما يقول ما يريد، ويفصح عما يعتقد بكيفية واحدة، وطريقة ثابتة في أي مجلس كان، ومع أي قوم كانوا، ولا يهمه قبول الناس لما يقول، فإذا ما أعرض الناس عن تقبلهم لما عنده ' بسبب أسلوبه في إيصال الحق ' فإنه لا يهتم بذلك، ولا يعبأ، ولا يصلح من حاله، أو يغير من شأنه، إنما يقول:' علينا أن نقول ولا يهمنا القبول'، ولا شك في خطأ هذه الفكرة، وانحرافها عن الجادة .

فإن المسلم الداعية معني ببذل الجهد واستفراغ الوسع في اختيار 'الأسلوب أو الطريقة' التي يبلغ بها دعوته بما يؤدي الغرض، ويوصل إلى المقصد وهو ' هداية الناس ' ودخولهم في ' سبيل الله '، فلا يصح أن يكون المسلم داعية إلى الحق بنيته وقصده، وصادًا عنه بأسلوبه وطريقته .

والبون شاسع بين:

-أن يكون صدود الناس، وعدم قبولهم للحق بسبب إعراضهم، أو استكبارهم، وطمس الله على قلوبهم.

-وبين أن نكون سببًا في التنفير من الحق لفساد طرق الدعوة، أو بسبب فقدان القدرة على تبليغه.

ولأن إفهام الناس الحق، ومحاولة إيصالهم إلى معانيه بالوسائل الصحيحة المناسبة لهم أمرٌ ذو أهمية أرسل الله كل رسول بلسان قومه ليبين لهم، كما قال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [4] } [سورة إبراهيم] .

قال سيد قطب رحمه الله عند هذه الآية:'وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم، ليبين لهم وليفهموا عنه فتتم الغاية من الرسالة ...' .

ولا أدل على الاعتناء بطرق دعوة الناس إلى الحق مما تضمنه القرآن الكريم - وهو أساس الدعوة وقطبها - من الأساليب المتنوعة من الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والإنذار والتبشير، والوعظ والتذكير، ومخاطبة العقول بالحجج العقلية المفحمة القاطعة، والأمر بالتفكر في الآيات الكونية المنصوبة القائمة، والدعوة إلى مقارعة الحجة والبرهان بمثلها، والمجادلة بالتي هي أحسن، وضرب الأمثال، وتصريف الآيات للناس ليفهموا الحق ويعقلوه، وقد جاء ذلك مبينًا في آيات لا تحصى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت