فهرس الكتاب

الصفحة 739 من 27345

ومن هنا فإن القول الذي يردده جبريو التاريخ كماركسي والذي يقول أن التاريخ محكوم المسار في مستقبله فهو غير صحيح وكل النبوءات التي قدمها ماركس في هذا الصدد قد تبين كذبها ولم تتحقق -جميعًا- وما وقع في المستقبل بعد تنبؤات ماركس كان مخالفًا تمامًا لما قرره بناء على حتمية التاريخ أو جبريته في حدود النظرية التي قدمها، ذلك لأن ماركس ليس إلا بشرًا يعجز عن الإحاطة ونظريته ليست إلا شطيرة ترتبط بعنصر واحد من عناصر التأثير وهي الاقتصاد وتقوم في مرحلة زمنية محدودة وبيئة لها طابع خاص، ومن هنا فقد عجز وعجزت عن تفسير المستقبل فضلًا عن إخفاق ماركس في تحليل التاريخ القديم.

ولا ريب أن النموذج البشري الذي تقوم عليه فكرة الجبرية هو نموذج إنسان سلبي خامل كسول، مستسلم للواقع، متنازل عن حقه الطبيعي في الاختيار مؤثرًا للأمان والجبن وعدم المجازفة، وبذلك يفترض في هذا الإنسان أنه تطبيق للحتمية المادية الخادعة الكاذبة.

والمسلم لا يقر هذا المفهوم، السلبي، ويؤمن بالإرادة، وبالقدرة على الاختيار والحركة لتغيير الواقع، ويجعل من إرادته البشرية قوة قادرة على حكم الغرائز وقيادتها والسيطرة عليها.

وهذا هو السر في دعوة الإسلام الملحة لبناء الإرادة.

كذلك الأمم فإنها حين تخضع للجبرية تموت؛ لأنها تستسلم وتُداس بالأقدام، أقدام الغزاة والغاصبين، والإرادة والاختيار هما عاملا التغير في الفرد وفي الجماعات والأمم، وبقوانين هذه الإرادة تقوم الأمم وتتجدد، ولا ريب أن التقدم مرتبط بتنمية إرادة التغيير، فإذا فقدت الأمة هذه الإرادة، استسلمت للجبرية التي هي الانحطاط.

ولا ريب أن تفشي هذا المفهوم في الفكر الغربي في هذه المرحلة من انهيار الحضارة هو علامة على مرحلة سقوطها الذي تنبأ به كثير من الباحثين، والذي هو سمة كل الحضارات والأمم التي تستسلم للجبرية الممثلة في الترف والانحلال والفساد والإباحية.

وكما يرفض الإسلام الجبرية التي تجعل الإنسان متفرجًا على التاريخ، كذلك فإن العلم يرفض الجبرية ولا يراها حقيقة أساسية. وكل ما يقال عن أن الجبرية أو الحتمية هي علم فهو من قبيل الخداع: فالعلم لا علاقة له بهذه الأبحاث التي هي من شأن الفلسفة وإنما هم أطلقوا عليها كلمة فلسفة العلم لأنهم حاولوا أن يستمدوا مفهوم المادية من بعض نظريات العلم التي كانت في القرن التاسع عشر تقول بانبثاق هذا الكون بدون صانع، وقد سقطت هذه النظرية التي قامت على أساسها مذاهب سياسية واجتماعية كثيرة كالماركسية والوجودية والبرجماتية مثلًا. ولقد تقدم العلم الآن تقدمًا عجيبًا وألغى كثيرًا من النظريات العلمية التي لم تكن في واقع الأمر إلا"فرضًا"لتغطية الجوانب الناقصة في عملية البحث، غير أن التجربة المستمرة كشفت عن أشياء جديدة جعلت كل ما كان يقال من قبل فاسدًا وخاصة فيما يتعلق بالطاقة والمادة؛ فقد أثبت العلم أن الطاقة تتحول إلى مادة وأن المادة تتحول إلى طاقة وبذلك انهدم أساس الفكر المادي وتحطم كثير من القواعد التي تقوم عليها الفلسفات المادية.

ولكن دعاة هذه المذاهب إنما يهدفون إلى هدم المجتمع البشري بإحلال روح الفساد فيه وإسقاط الإرادة ووضع مسئولية الخطأ والانحراف على المجتمعات، وإعلاء شأن المفهوم الجمعي للقضاء على الفردية التي هي مناط المسئولية والخبراء في الدين الحق، وذلك من شأنه أن يدفع إلى مزيد من غلبة الشهوات وتبرير الفساد وسقوط المجتمعات وهو ما تهدف إليه اليهودية التلمودية فيما أشارت إليه في بروتوكلات صهيون.

وعندما نراجع أصول الجبرية في الفكر الإسلامي تجد أن مصدرها يهودي، فهو مما قال به الذين حملوا سموم الفكر البشري القديم، والفرنسيون يقولون بأن الإنسان ليس إرادة ولا اختيارًا ولا تأثيرًا ولا جزءًا كسبيًا، ولذا لا يرونه جديرًا بالمدح ولا بالذم، أما اليهود الفروشيم فقد بالغوا بالاختيار ورأوا الإنسان قادرًا على مطلق عمل دون أمر الله ونهيه. وكلا الأمرين الجبر المطلق والاختيار المطلق لا يقرهما الإسلام، وفي الفلسفات الهندية والصينية والفارسية جبرية واضحة؛ إذن أن البرهمية والبوذية والمزكية تبرره، كذلك الفلسفة اليونانية فإن حرب طروادة قد حملت سواد الناس على التسليم المطلق بالجبر، وكذلك فلسفات التقمص والتناسخ كلها مفضية إلى الجبرية.

وكذلك تحمل فكرة وحدة الوجود معنى الجبر؛ فهي تلغي الإرادة والمسئولية الفردية، وصدق في هذا قول القائل: إن الاختيار المطلق يكلف الإنسان فوق الطاقة والجبر المطلق محو للتكليف وهدم للشريعة وإبطال لحكم العقل وإنكار للواقع.

والإسلام لا جبر فيه، ولقد نادى القرآن بالتمييز: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ، وأخذ الرسول بيد طلاب الهداية لربهم، ودعا الإسلام إلى الإرادة: والصبر وعزائم الأمور، ودعا إلى تغيير الواقع الفاسد ودعا إلى الهجرة في الأرض حتى لا يظلم الإنسان نفسه بالبقاء في الواقع السلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت