فهرس الكتاب

الصفحة 740 من 27345

ولقد أقام الإسلام الاختيار ونادى به القرآن (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) .

وقال ابن تيمية=:"إن للعبد قدرة ومشيئة وعمل فهو مختار مريد. والجبريون هم المعطلون للتكاليف الشرعية المسفهون للخطابات الإلهية". وقال النابلسي أنهم زنادقة هذه الأمة:

ولقد فتح الإسلام الباب واسعًا أمام الذين ينحرفون إلى الجبر مع قدرتهم على الحرية والاختيار، وفتح لهم باب العودة إلى الإرادة الصحيحة.

ورسل الله ودعاة الحق في كل جيل وعصر لم يأمروا بالانحراف، ودعوا إلى الإرادة والاختيار التي تنشأ عنها المسئولية والجزاء، ولكن المنحرفين من أصحاب الفكر البشري هم الذين زينوا القياس الحلول والإشراق والتجسد وغيرها من المفاهيم الباطلة المبطلة التي تدعو إلى الجبرية، ثم جاء الفكر الفلسفي المادي المعاصر فاحتوى كل هذه العناصر وأعاد صياغتها من جديد.

ومن عجب أن العلم بالتجارب العديدة لم يعد تعبر نظرية الحتمية: التي كان يقوم عليها كيانه، فأصبح حين تتوافر الشروط والأسباب يحكم بوقوع النتائج؛ وذلك لأنه وجد عشرات من الأشياء لا تخضع لهذا القانون، ومن ثم فإن العلماء لأن يقررون أن الحتمية في العلم غير ضرورية وأن القانون الذي يحكم العلم هو قانون الاحتمالات، وبذلك انفسح لهم المجال للإيمان بقوة عليا تسير العالم خارج نفسه.

ولكن رجال الفلسفة المادية، وهم اليهود التلموديون أصحاب بروتوكلات صهيون، إنما يريدون أن يتجاهلوا حقائق الفطرة وآراء العلم وطبيعة الدين الحق؛ ليفرضوا على البشرية نظرية زائفة يراد بها تدمير المجتمعات: تلك هي الجبرية والحتمية.

ولقد صدق القائل: أن الإنسان لا تجوز عليه الحتمية؛ لأن الناس ليسوا كرات بليارد تتحرك بحتمية قوانين فيزيائية؛ ولكنها مجموعة إرادات حرة تدخل في علاقات متعددة يستحيل فيها التنبؤ القائم على قوانين مادية، كذلك فإن القوانين الإحصائية هي قوانين إجمالية وكلها ترجيحات ولا يرتفع أحدها إلى مرتبة الحتمية على الإطلاق.

فساد نظرية (تنازع البقاء)

ومن الفرضيات التي قدمها العلم تحت التجربة نظرية (تنازع البقاء) ، وقد تعالى القول بهذه النظرية وامتد حتى خُيل للناس أن هناك قانونًا يطلق عليه تنازع البقاء، وفي أفق الفكر الإسلامية والثقافة العربية ردد الباحثون هذا المصطلح سنوات وسنوات، ثم تبين من بعد أنه لا توجد حقيقة علمية تسمى تنازع البقاء، وأن كل ما يقال عن التنازع أو الصراع ليس من طبيعة العلاقات بين الأحياء.

لقد جاءت فرضية التنازع نتيجة لتقدير مادي بأن إنتاج الطعام في العالم محدود، بينما التوالد يتضاعف ويزداد، ومن هنا فلابد أن يتنازع الأفراد لأجل البقاء أو من أجل الحصول على الطعام، ولكن نظرية إنتاج الطعام المحدود التي قال بها"مالتوس"ثبت بطلانها من بعد؛ فقد اكتشفت أفاق عديدة للموارد والرزق ونما العالم وتضاعف عشرات المرات دون أن يفقد القوت، وهذا عيب النظريات التي تكون دائمًا محدودة بقدر معين من العلم في عصرها، وبالتحدي الخاص ببيئتها وبالتأثير بنظرية جزئية أخرى، نجد هذا تمامًا عند دارون ونجده عند ماركس ونجده عند فرويد.

وقد حاول أنصار دارون تبرير موقفه ودافعوا عنه، فقالوا أنه استمد نظرية تنازع البقاء في الطبيعة من إقامته في لنكشير وغيرها من الأقاليم الصناعية، وكانت نظرية دارون في مجموعها -وهي نظرية بيولوجية- مما استخدمه الفكر السياسي الاستعماري خاصة فيما يتعلق بتنازع البقاء وبقاء الأصلح، فقد طبقوها على الشعوب المستعمرة والقوى الاستعمارية المسيطرة عليها وجعلوا منها مبررًا لسيطرة المستعمرين.

فشلت نظرية داروين في تنازع البقاء وبقاء الأصلح وتبين للباحثين والعلماء أن هناك"تعاونًا"بين الأنواع أكبر من التنازع، وهناك تلاقيًا أقوى من الصراع، وفي هذا يقول أحد الباحثين: أن عواطفه الاجتماعية التي اكتسبها من المزاحمة الصناعية في لانكشير ومن كفاح الإمبراطورية البريطانية لخطف الأسواق وإذلال الأمم هذه العواطف حملته على أن يكبر من شأن التنازع: تنازع البقاء وحال هذا بينه وبين رؤية التعاون في الطبيعة؛ لأن الواقع أن البقاء عن طريق التعاون بين الحيوان والنبات أكبر وأوسع من البقاء عن طريق التنازع.

وكما سقطت نظرية التطور كما أرادها الفلاسفة الاجتماعيون، وسقطت نظرية مالتوس في الوراثة، كذلك سقطت نظرية"تنازع البقاء"، والفكر الإسلامي واضح في هذا تمام الوضوح؛ فهو يقر مفهوم التلاقي والتعاون والتكامل بين قوى الطبيعة المختلفة، ويرى أن هذا الالتقاء هو دافعها إلى الحركة والقوة والنماء"."

ويرى الفكر الإسلامي ضرورة التعاون في المجتمع الإنساني بجميع أفراده، القوي والضعيف، والغني والفقير، والمريض والصحيح، ويُحّمل الإسلام الأقوياء والأغنياء والأصحاء مسئولية باقي أفراد المجتمع بنظام كامل من أنظمة الإعاشة والإنفاق والبذل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت