ويرفض الإسلام تمامًا فكرة القضاء على الضعفاء أو الفقراء أو المرضى ويراها عاملًا من عوامل الخروج عن الإيمان (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) ، وإذا كانت نظرية تنازع الإبقاء قد بدأت في مجال العلم الطبيعي فإن علماء الاجتماع أرادوا أن يجعلوها قانونًا عامًا للبشرية ولكنهم فشلوا في ذلك وتبين من التجارب المتعددة قيام التعاون بديلًا عن التنازع.
ومن هنا كان زيف كل التفسيرات التي حاول بعض الماديين إلقاءها شأن المواقع التاريخية واندثار الحضارات وانقراض الأمم.
ومن الحق أن الصراع لم يكن هو مصدر انهيار الحضارات أو انقراض الأمم؛ وإنما كان الفساد والانحراف والاستعلاء والترف والتحلل والخروج عن نظام الكون وقوانينه الطبيعية التي تفرض العمل والإرادة وبذل الجهد والاستمساك بالخشونة في الحياة والحفاظ على الضوابط والحدود.
ومما ينقض نظرية تنازع البقاء أن الحيوانات الواطئة الضعيفة تعيش وتنمو. وفق قانون التكيف مع البيئة الذي هو أصدق من قانون تنازع البقاء، ذلك أن كل كائن يستطيع أن يحتاط ويتكيف مع الظروف إذا كانت هذه من الطبيعة كالبرد والحر أو من مقاومة الأعداء.
ويصدق قانون التكيف مع البيئة بينما تفشل نظرية"تنازع البقاء"، ويؤكد الباحثون أن فساد نظرية تنازع البقاء ترجع أساسًا إلى أنها تعارض الطبيعة والفطرة وتكشف عن تحدِ واضح لانطلاقة الحياة في صورتها السليمة. فهي تؤدي إلى حرمان الضعفاء من حق الحياة وتشجيع الأقوياء على التسلط والسيطرة، وتبيح الحرب وتعتبرها ضرورة في يد القوي لإهلاك الضعيف.
ولما كان من طبيعة القوي أن يسيطر على الأضعف، فقد دعا الإسلام إلى أن يتمسك أهله بالقوة في مواجهة كل مَن يحاول الاعتداء عليهم، وكذلك دعا الأفراد إلى الهجرة من الأرض التي يقع فيها الإذلال لهم؛ حتى لا يكون المسلمون موضع سيطرة من غيرهم أو تسلط مِن عدوهم.
والحق دائمًا يثبت والباطل دائمًا يرتفع ثم ينهزم؛ لأنه لا يستطيع أن يواجه ثبات الحق وسلامته وقدرته على الانتصار والبقاء. وعلى أهل الحق أن يلتمسوا نصر الله بالاستعداد لمعارضة الباطل ومقاومته.
ويقر الإسلام نظام"التعاون"بديلًا لمفهوم"التنازع"، ومن هنا فإن الأنظمة التي تقوم على الصراع لابد أن تسقط؛ لأنها تمثل اتجاهًا مضادًا للحق والخير، الذي هو الناموس الطبيعي للحياة. ومن شأن"الفطرة"التي فطر الله عليها الكون والناس أن تمكن للحق من هزيمة الباطل والادالة نه=، ومن شأن أهل الحق أن يكونوا في يقظة حتى لا يستشري الباطل ويكسب الحولية عليهم، فإذا فقدوا مقومات عقيدتهم، تغلب الباطل عليهم لا محالة، فكان حقًا عليهم أن يعودوا إلى التماس مقومات عقيدتهم ويتجمعوا لها، ومهما كانوا قلة فإن تمسكهم بالحق مع معونة الله يحتم تحقيق النصر لهم، وهذا هو مفهوم دفع الله الناس بعضهم ببعض، وهو معنى يختلف عن النظرية الغربية"تنازع البقاء".
ويجمع الباحثون على أن"الصراع"فكرة استعمارية نشأت في ظل الفكر الغربي الاستعماري الذي اعتمد على القوة كوسيلة للسيطرة على الضعيف على النحو الذي اعتمد على القوة كوسيلة للسيطرة على الضعيف على النحو الذي سارت عليه عمليات الاستعمار والاحتلال والحروب الاستعمارية، تبريرًا للاستيلاء على موارد الغير وممتلكاته بالقوة والعنف. ولقد رحب الماديون بفكرة دارون؛ لأن عقيدتهم تقوم على العنف وصراع الطبقات.
أما القرآن فقد ذكر أن"الصلاح"هو سبب بقاء الأمم والحضارات في الدنيا، وهو عدة الضعفاء المتقين في التغلب على الأقوياء المنحرفين.
ولا ريب أن من أخطر ما تروج له الفلسفات الغربية كلمة"الطبيعة"، حيث ينسب إليها العطاء والمنع والكشوف والقوانين، ولا ريب أن هذا معارض تمامًا لمفهوم الدين الحق؛ فإن الخالق هو الله وليس الطبيعة، والطبيعة مخلوقة لله، مذللة له سبحانه. أما كلمة"الطبيعة"في مفهوم العلم فهي عبارة (عن=) قوانين سقوط الأجسام ودورانها ومغناطسيتها، وهي قوانين تعبر عن قدرة الله في خلق الكون والإنسان، وليس في الإسلام صراع بين الله والطبيعة؛ فالكل يسلم ويسجد طوعًا وكرهًا.