إني على ثقة أن في شبابنا، وفتياتنا، ورجالنا، ونسائنا خيرًا كثيرًا، وأن في وسعهم، وطاقاتهم؛ الكثير والكثير، ولكنها السلبية تلك الدال العضال، أعاذنا الله وإياكم منها. إن الله يربي المؤمنين على التطلع إلى أعلى المقامات، فيقول سبحانه على لسانهم: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [74] {"سورة الفرقان" انظر:} وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [74] {لم يقل سبحانه: واجعلنا من المتقين، ولكنها تربية على الهمة العالية، والعزيمة الصادقة: } وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [74] إن الله عز وجل يريد منك أيها المسلم، ويريد منك أيتها المسلمة: أن تكون ذا همة عالية، أن تكون إمامًا للمتقين، وأن تكوني إمامة للمتقيات. والرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: [... فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ] رواه البخاري وأحمد . إن أقصى همة أحدنا إذا ذُكِرَتْ الجنة؛ أن يسأل الله الجنة، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يربي فينا التطلع إلى أعلى المقامات، وعدم الرضا بالأمور الدنية؛ ولذلك: [فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ] .
3-التقيد بروتين الحياة وعدم التطلع إلى الجديد: اعتاد بعض المسلمين على نمط معين من الحياة، ودرج عليه، فيثقل عليه المشاركة، ويصعب عليه العمل، وكلما حُدِّثَ بأمر؛ كان الرد منه سلبًا، حتى أصبح المسكين لا قيمة له، ولا ينظر إليه، ولا يسمع لكلمته، ربما مع سعة علمه، وعلو مركزه؛ رضي بالدون، ورضي برتابة الحياة، حتى ملها هو بنفسه، وأصبح يعيش في هامش الحياة لا معنى له، فكيف تريد من الآخرين أن يستجيبوا لك، أو حتى تسمع كلمتك؟ فإن الناس ينظرون إلى علو همتك، وإلى صدق كلمتك، وإلى عملك . إن بعض الناس إذا مات لا يبكيه أهله، ومدينته فقط، بل تبكيه الأمة بكاملها؛ لأن الأمة فقدته، لم يفقده أهله فقط، ولم تفقده مدينته، كل الأمة تبكي عليه؛ لأن الرجل كان رجلا ممتازًا، كان رجل معطاء، عاملًا، نشيطًا .
وبعض الناس إذا مات بكاه أهله أيامًا، وربما قالوا في قرارة أنفسهم: الحمد لله الذي أراحنا منه؛ لأنه كَلّ عليهم.
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد فذ يموت بموته خلق كثير
وشتان بين هذا وذاك، فإن من الناس من همته في الثرى أي في التراب، وإن من الناس من همته في الثريا. فكيف يرضى مسلم عاقل أن تذهب الأيام، والليالي، وهو على حاله بدون تطور ولا تقدم، اسأل نفسك كم عمرك الآن؟ وأسألك بالله هل أنت راض عن نفسك؟ ماذا قدمت خلال هذه السنوات؟ وهل أنت في تطور أم أنك ما زلت على حالك؟ إن المسلم العاقل، صاحب المبدأ، واليقين؛ لا يهدأ له بال، ولا يقر له قرار، حتى يقدم ما بوسعه، وحتى يتقدم، وحتى يكون غده أفضل من أمسه، قال ابن الجوزي:'ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها، فهم يبالغون في كل علم، ويجتهدون في كل عمل، ويثابرون على كل فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك؛ قامت النيات نائبة وهم لها سابقون، وأكمل أحوالهم؛ إعراضهم عن أعمالهم، فهم يحتقرونها مع التمام، ويعتذرون من التقصير، ومنهم من يزيد على هذا، فيتشاغل بالشكر على التوفيق بذلك. ومنهم من لا يرى ما عمل أصلًا؛ لأنه يرى نفسه وعمله لسيده، وبالعكس من المذكور عن أرباب الاجتهاد حال أهل الكسل، والشره، والشهوات، فلئن ارتدوا بعاجل الراحة؛ لقد أوجبت ما يزيد على كل تعب من الأسف والحسرة؟ ومن تلمح صبر يوسف عليه السلام، وعجلة ماعز -أي في التوبة- بان له الفرق، وفهم الربح من الخسران، ولقد تأملت نيل الدر من البحر، فرأيته بعد معاناة الشدائد، ومن تفكر فيما ذكرته مثلًا، بانت له أمثال، فالموفق من إذا تلمح قصر الموت والبعث فيه، وامتداد زمان الجزاء الذي لا آخر له؛ انتهب حتى اللحظة، وزاحم على كل فضيلة، فإنها إذا فاتت لا وجه لاستدراكها، أليس في الحديث يقال للرجل: [ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا] رواه الترمذي وأبوداود وأحمد . فلو أن الفكر عمل في هذا حق العمل؛ حفظ القرآن عاجلًا' اهـ .