فهرس الكتاب

الصفحة 7416 من 27345

4-الاستجابة للنفس الأمارة: الاستجابة لشهواتها ولذاتها، حتى مات الشعور بالذنب والتقصير؛ لذلك ظن كثير من المسلمين أنه على خير، بل ربما لم يرد على خاطره أنه مقصر، فبمجرد قيامه بأصول الدين، وبمجرد محافظته على الصلوات، والتزامه في الظاهر؛ ظن في نفسه خيرًا عظيمًا، ولكن ما كيفية هذا القيام؟ وما حقيقة هذا الالتزام؟ وهل قبل الله منه أم لا؟ بل لماذا نسي مئات بل آلاف من الصغائر التي تجمعت عليه من الذنوب والمعاصي، ففي حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ] رواه أحمد بسند حسن . فأعجبتنا أنفسنا وأعمالنا، فرضينا بما نحن عليه، وأعلنا الاكتفاء وعدم المزيد؛ فكانت النتيجة السلبية، ودنو الهمة، وعدم التطلع لما هو أفضل، وربما نظر أحدنا إلى من هو دونه في العبادات، فأعجبته نفسه، وتقاعس عن الكثير من أبواب الخير،وانظر لحال هذا الكناس وعزته: قال الأصمعي:' مررت بكناس في البصرة ينشد:

فإياك والسكنى بأرض مذلة تعد مسيئًا فيه إن كنت محسنًا

ونفسك أكرمها وإن ضاق مسكن عليك بها فاطلب لنفسك مسكنًا

فقلت- أي الأصمعي-: والله لم يبق بعد هذا مذلة، وأي مذلة بعد الكنس؟ فقال الكناس: والله لكنس ألف مرة أحسن من القيام على باب مثلك'. هكذا تكون عزة المسلم أيًا كان ذلك العمل الذي يقوم به ما دام يقوم به لله عز وجل.

5-كثرة الجلسات وضياع الأوقات: وهذا من أكثر المظاهر التي انتشرت أخيرًا، فإنك تبحث عن شبابنا، ورجالنا، فتجدهم مساء كل يوم ربما في الاستراحات، وعلى الأرصفة، وعلى الشاطئ، وليس الخطر في الاجتماعات ذاتها، بل في كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمة، وينفع الأجيال، وكثرة الجدال، هذا إن سلمت الجلسات من الغيبة، والنميمة، وتنقص الآخرين، ومن وسائل اللهو المحرم، وإلا فإن الطامة أعظم . إنك لتتألم أشد الألم وأنت تعلم أن في تلك الجلسات أعدادًا هائلة من أصحاب الطاقات، والمواهب، والعقول يلتقون في الأسبوع مرة واحدة على الأقل، أي في السنة ما يقرب من [ 48] لقاء واللقاء الواحد لا يقل عن خمس ساعات ربما تزيد أو تقل، فما هي النتيجة؟ بماذا خرجوا بعد هذه الاجتماعات الطويلة؟ وماذا قدموا لأنفسهم؟ وماذا قدموا لعقيدتهم؟ وما هي حصيلة العلم الذي كسبوه من هذه الجلسات؟ هذه إشارة سريعة؛ لنعلم حجم السلبية في مجتمعنا المسلم؛ وبالتالي حجم الخسارة لكثير من طاقتنا ومواهبنا. فلماذا هذا التنصل من الواجبات، والهروب من الواقع؟ أيعقل أنهم لا يعلمون أنهم مسئولون عن هذا الواقع المرير للأمة الإسلامية؟ أيعقل أنهم لا يعلمون أنهم مسئولون أمام الله عن هذا الواقع المرير، وعن حال الأمة الإسلامية؟ قد يقول قائل منهم:ماذا باستطاعتنا أن نقدم؟

أقول: والله إن باستطاعتك الكثير لو فكرت أنت وأصحابك أن تستغلوا هذه الجلسات:لنفع أنفسكم ولنفع أولادكم وأهليكم، ثم بعد ذلك: لنفع أمتكم . إن من فكر؛ وجد . وإن من حرص، وحمل الهم؛ عرف كيف يعمل . أما الجلوس في المجالس، والكلام، والقيل والقال بما لا ينفع، فإن هذا ضياع للأعمال والأوقات، والطاقات، والمواهب، والأفكار، كل فرد منا عليه جزء من المسؤولية مهما كان:

لا تلم كفي إذا السيف نبا صح مني العزم والدهر أبى

مرحبا بالخطب يبلوني إذا كانت العلياء فيه السببا

6-عدم الاستعداد للالتزام بشيء: التهرب من كل عمل جدي، وعدم الاستعداد للالتزام بأي شيء ، وخداع النفس بالانشغال وهو فارغ. كم من الناس إذا كلف بأمر؛ قال: مشغول، وحقيقة أمره: أنه غير مشغول، أو أنه مشغول بمثل هذه الجلسات، واللقاءات . أو الانشغال في شهوات النفس، وملذاتها، أو التسويف، والتأجيل، وتأخير الأعمال، والغفلة، والنسيان المستمر لما كلف به، والأخطر من ذلك كله: النقد المستمر لكل عمل إيجابي، وتضخيم الأخطاء . كل ذلك تبرير لعجزه وسلبيته القاتلة. بعض الناس لا يعمل، ويا ليته لم يعمل فقط، بل جعل نفسه راصدًا لأعمال إخوانه: مرة بالنقد، ومرة بالجرح، ومرة بالتثبيط والتخذيل والتنصل من المشاركة والعمل، وكلما طلبناه في مكان؛ قال لنا: مشغول، وكلما كلفناه بمشاركة؛ قال: لا أستطيع، بل كلما حدثناه في أمر؛ كان لنا مثبطًا ومخذلًا:

ولم أجد الإنسان إلا بسعيه فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا

وبالهمة العلياء ترقى إلى العلى فمن كان أعلى همة كان أظهرا

ولم يتأخر من أراد تقدما ولم يتقدم من أراد تأخرا

إذًا: فلكل شيء سبب، فإذا أردت أن تجعل نفسك في مكانها؛ فلتتخذ لها ما ترضاه أنت لها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت