فهرس الكتاب

الصفحة 7482 من 27345

وقد بحث الأصدقاء عن هذه الجمل المنسوبة إلى الشيخ محيي الدين ابن العربي في الكتاب المذكور وفي الصفحات التي ذكرها جناب القمص، ولكن لم يعثروا لها على أثر، لا من قريب ولا من بعيد.

وقد قلنا غير مرة إن آراء العلماء في الإسلام ليست ملزمة للأمة، فليس في الإسلام كهنوت، وليس من حق أحد مهما بلغ علمه ومهما علا مقامه أن يفرض رأيه على المسلمين، والنبي الذي بعثه الله تعالى لهذه الأمة، لم يعط لنفسه هذا الحق وإنما أعطاه الله تعالى له في كتابه العزيز حيث يقول ]وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ (المائدة:92) ، ويقول ] مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ [ (النساء:80) ، ويقول ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [ (الأحزاب:36) ، ويقول أيضا ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[ (النساء:65) . إذن الطاعة الواجبة والاتباع الملزم في الأمور الدينية يكون لله تعالى وللنبي الذي بعثه الله تعالى لهذه الأمة، وأما اتّباع أولي الأمر فيكون في الأمور الدنيوية المنظمة لأحوال المجتمع والتي تقوم على الشورى. أما آراء العلماء فهي كلها اجتهادية، تخضع للصواب كما تخضع للخطأ، وليس من حق أي مجمع للمشايخ أو للعلماء أن يفرض رأيه على الأمة كما هو الحال في المسيحية. وجناب القمص يعرف ذلك جيدا، ولكنه لا يكف عن محاولاته لخداع المسلمين، ولا يتوقف عن محاولاته التي تهدف إلى إقناعهم باتباع خرافاته وعقائده المغلوطة، اعتمادا على أقوال بعض العلماء، حتى ولو لم يكن لهذه الأقوال من أثر في صفحات الكتب التي يستشهد بها.

وأسلوب الغش والخداع الذي يتبعه جناب القمص يظهر بوضوح حين يستشهد جنابه برأي بعض الفرق المنحرفة أو المغالية، ثم ينسب هذا الرأي إلى المسلمين أو إلى طائفة من المسلمين، وذلك كما فعل عندما أراد أن ينسب إلى المعتزلة أنهم يؤيدون نظرية الحلول والتجسد التي يؤمن بها جنابه، فزعم أن المعتزلة قالوا"إن كلام الله حل في الشجرة، أي تجسّد فيها". أما المرجع الذي نقل عنه هذا الكلام فهو ليس كتابا من كتب المعتزلة، وليس قولا من أقوال رؤسائهم وقادتهم، وإنما هو من كتاب"الملل والأهواء والنّحل"، الذي جمع فيه مؤلفه آراء الفرَق والنّحل المختلفة، بما فيها الفرق الشاذة والنّحل المنحرفة. ويريد القمص بذلك أن يوحي للمسلمين أن الآراء التي ينقلها من ذلك الكتاب تُعبّر عن رأي علماء المسلمين. ويعلم جناب القمص تمام العلم أن في هذا الأسلوب خداع للمسلمين، وخداع لجميع مشاهديه حتى من المسيحيين الذين يسمعون كلامه ويصدقونه. وماذا يمكن أن يقول القمص لو أنني نقلت رأيا من آراء فرقة مسيحية من الفرق المسيحية التي يعتبرها القمص فرقا كافرة ومهرطقة ومنحرفة مثل"شهود يهوه"مثلا، ثم زعمت بعد ذلك أن رأي هذه الفرقة هو رأي المسيحية التي يؤمن بها القمص؟ ألن يعتبرني القمص إنسانا غشاشا ومغالطا ومخادعا؟ وإن لم يكن هذا هو الغش والخداع، فما هو الغش والخداع في نظر جناب القمص؟

إننا لا نهدف هنا أن نبين فقط كذب القمص وخداعه لمجرد إثبات أنه يكذب ويخادع، فالكذب والخداع هذا سوف يحاسبه الله تعالى عليه حسب نيّته، والله تعالى شديد العقاب كما أنه أرحم الراحمين، ولذلك فإننا نترك أمر القمص إلى صاحب الأمر. إن هدفنا من بيان الكذب والخداع في كلام القمص هو أن ننبّه أولئك الذين انخدعوا بكلامه وصدقوه إلى ضرورة مراجعة حساباتهم وعقائدهم، والسيد المسيح يقول:"ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه" (متّى26:16) ، ونحن نُذكّر هؤلاء الذين يصدقون القمص بقول السيد المسيح ونقول لهم: ماذا ينتفع الإنسان إذا صدّق كلام القمص كله وخسر نفسه؟

وبعد..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت