فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ويبدو أن جناب القمص لم يسمع عن الدكتورة هيلين كيلر، التي كانت في صباها فتاة صغيرة تلعب في حديقة خلف منْزلها مع أصحابها، وكان ذلك على أثر نهاية الحرب العالمية الثانية، فوجدن شيئا لفت انتباههن فالتقطته إحداهن فإذا به ينفجر، ونتج عن ذلك أن مات أصحابها، أما هي فقد فقدت النطق والسمع والبصر، ولكنها لم تفقد عقلها حتى إنها استطاعت فيما بعد أن تتغلب على المعوقات التي أصابتها، وحصلت على أعلى الدرجات الأكاديمية وهي درجة الدكتوراة. فكيف عبرت الدكتورة هيلين كيلر عن عقلها؟ لم يكن ذلك بالكلمة وإنما باللمسة. وليس التعبير باللمس وقفا على المعوقين فقط، وإنما يستعمله البشر العاديون، فتلامس اليدين عند المصافحة تعبير أيضا عما في العقل من مشاعر، وتلامس الأجساد بالأحضان عند لقاء الأهل والأصدقاء تعبير أيضا عن المشاعر، وربْت الأم طفلها تعبير عن المحبة كذلك. وبغير التلامس نجد أننا نستعمل إشارات اليدين وتعبيرات الوجه للتعبير أيضا عما في نفوسنا دون أن ننطق ببنت شفة، فالكلمة ليست وحدها هي بنت العقل، بل يمكن أن تغيب الكلمة تماما، وحينئذ تكون الإشارات والحركات هي التي تعبر عن العقل. وعلى هذا لا يجوز أن يقال إن الكلمة تعبر عن العقل، لأن الواقع يقول إن الكلمة واللمسة والحركة كلها تعبر عن العقل. فهل نحتاج إلى ثالوث آخر من هذه الثلاثة للتعبير عن العقل يا جناب القمص؟
ثم نأتي إلى الشهادة التي يستشهد بها جناب القمص للدكتور محمد الشقنقيري أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة باريس. ولسنا ندري ما إذا كان الدكتور الشقنقيري هذا مسلما أم أنه بسبب لقمة العيش قد تحوّل إلى الإيمان المسيحي، أو لعله من أساتذة الجامعات الملحدين أو الذين لا يؤمنون بأي دين، وما أكثر هؤلاء الذين يتخلون عن دينهم وعقيدتهم، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، وذلك لأنهم يرون أن الدين سبب للتخلف وأنه أفيون للشعوب.
يقول الدكتور الشقنقيري:"نعرف أن القرآن يقول عن يسوع إنه كلمةُ الله وروحُه. وترجمة هذه التسمية لا تنال المسيحي بأية صعوبة. ومن ثم، كان الاعتراض على المسلمين لاضطرارهم إلى الاعتراف بألوهية المسيح. ما المسيح؟ يجيب المسلم أنه كلمة الله وأنه روح الله. ولكن، هذه الكلمة وهذا الروح، أمخلوقة؟ أم غير مخلوقة؟ إذا كان، روح الله غير مخلوق فلا إشكال. (ويشرح جناب القمص للسيدة ناهد هذا الكلام وهو يكاد يرقص طربا فيقول لها:"فإذا قلنا إن روح الله مش مخلوقة يبقى مفيش مشكلة، يبقى روح الله مش مخلوقة، أزلية، زي الله. شوفي الحتة اللي بيوْصل لها بقى الشقنقيري بقى، لحد كده آمنا والمنطق بسيط، شوفي الحتة اللي جاية بقى، القنبلة، يقولك") إذن، فالمسيح هو الله. وإذا كان روح الله مخلوقا، فيكون روح الله وكلمة الله مخلوقين. إذن، فالله، قبل أن يخلق كلمته، وقبل أن يخلق روحه، كان بلا عقل وبلا روح، وذلك غير مُتَصوّر."
هذه هي شهادة الدكتور محمد الشقنقيري، ومن الواضح أنه يعبر في هذا المقطع عن الفكر المسيحي. ولا يهمنا إذا كان هو نفسه قد تحوّل إلى المسيحية أم إلى الإلحاد، فنحن هنا نناقش الفكر ولا نناقش اختيار الشخص، فحق الاختيار بين الإيمان والكفر قد كفله الله تعالى لكل إنسان حين قال ]وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شّآءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شّآءَ فَلْيَكْفُرْ[ (الكهف:29) . ولكن ما لوحظ على جناب القمص، وهو يسرد على مسامعنا شهادة الدكتور الشقنقيري، أنه شديد الطرب والسعادة، حتى لتكاد أن تزهق روحه لفرط سعادته بهذه الشهادة التي يصفها بأنها جميلة. ولذلك فقد راح يُثني الثناء الجميل على الدكتور الشقنقيري وهو يقول للسيدة ناهد متولي:"شايفة الإنسان اللي بيفكر؟ إحنا عايزين ناس تفكر، عايزين ناس تفكر عشان توْصل للحقيقة. ديكارت بيقول أنا أشك، فأنا أفكر، فأنا موجود. يبقى الإنسان اللي ما بيشكّش ولا بيفكرش، وجوده زي عدمه". فتوافقه السيدة ناهد وهي تبدي أسفها قائلة:"للأسف، للأسف آه". فيشاركها القمص الأسف ويتحسّر على أحوال المسلمين فيقول:"للأسف الشديد. وأنا آسف أقول إن كتير من إخوانّا المسلمين لا عايزين يشكّوا ولا عايزين يفكّروا، ولا عايزين يعرفوا". وتصدق السيدة ناهد على كلامه مؤكدة:"بياخدوها بالتسليم الكامل كده". فيقول القمص مستنكرا:"هيّه كده وخلاص، لا، دا إيمان العجائز، لكن مش إيمان إنسان مُتفتّح بتاع القرن الحادي والعشرين".