فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 27345

الخيار الثاني: أن يستعرض الاحتمالات الممكنة للخروج، فيفكر تفكيرًا علميًا، ما الخيارات التي يمكن أن أصنعها لأخرج من هذا المأزق؟ أني أنام إلى أن يأتي أصحاب الصالة ويفتحونها في الغد. أو أن أبحث عن الأبواب فربما يكون هناك بابًا نُسي أن يغلق.أن أكسر الزجاج أو النافذة. أن أتصل على أحد خارج الصالة...إلخ. ثم يقيم كل خيار: الخيار الأول هل أستطيع أن أطبقه أو لا؟ ما هي نتائجه الخيار الثاني ثم الثالث وفي النهاية يصل إلى الحل.

المثال الثاني: ما يمارسه عامل الصيانة في إصلاح السيارة حين ترتفع حرارة المحرك، أنه يقوم باختبار مستوى الماء، مستوى زيت المحرك، مروحة التبريد، السيورإلخ.

فهو يمارس أسلوب التفكير العلمي - دون أن يعيه نظريًا - إنه يفترض الفروض ثم يقوم باختبارها ليصل إلى تفسير المشكلة.

خطوات التفكير العلمي لا يمكن أن نمارسها من خلال التعليم النظري بأن نملي على الناس ونقول هذه هي الخطوات: الأولى، الثانية، الثالثة، فما لم يُعَلَّم الطالب وهو في المرحلة الابتدائية أن يطبقها، ما لم يعلم الطفل وهو صغير أن يمارسها في التعامل مع مشكلاته المحدودة إلى أن يصل إلى مستوى أعلى، فإننا لا يمكن أن نتقن هذه المهارات، ونطبقها بطريقة صحيحة.

الخطأ الثاني: التعميم الخاطيء

وهذا كثيرًا ما يحدث من الدعاة والوعاظ والخطباء، ودعوني أضرب على ذلك أمثلة.

المثال الأول: قد تقول للناس: الأب المتعلم أكثر قدرة على تربية أولاده تربية سليمة من الأب الأمي، حينها يعترض عليك من يحتج بأن أبًا أميًا قد أحسن تربية أولاده، وأنه يعرف عددًا من الآباء المتعلمين لا يحسنون التربية.

إنه قد عمم الصورة التي رآها لدى الأمي، والصورة التي رآها لدى المتعلم، جاهلًا أن نجاح هذا الأمي واستقامة أولاده نتيجة عامل آخر غير عامل الأمية، وأن فشل الآخر نتيجة عامل آخر غير عامل التعليم.

المثال الثاني: كثيرًا ما نسمع من يقول أن المتدينين سيئو الخلق، والسبب في ذلك أنه رأى شخصًا متدينًا يتصف بذلك، فعمم هذه النتيجة على الآخرين.

إن التعميم له شروط موضوعية لا بد من تحققها، وليس تكرر الصور كافيا في تعميم الأحكام.

الخطأ الثالث: الربط الخاطئ

أحيانًا نربط بين ظاهرتين ليس بينهما علاقة وإليك الأمثلة:-

المثال الأول: كنت واقفًا ذات مرة فأتاني شاب غير متدين، فقال لي: أريد أن أسألك سؤالًا، ثم سألني وأجبت، ثم قلت له: ليس كل متدين طالب علم، فالتدين شيء والعلم شيئ آخر-وإن كان الغالب في المتدين أن يكونوا أكثر حرصًا، وأكثر تمسكًا- قال لي: إنك ستكون في الأغلب أعلم مني، ولو لم تعرف فستقول لي: لا أعلم.

الناس يربطون كثيرًا بين الأمرين، وهو أمر ليس وليد العصر، ففي حديث الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين رجلًا دله الناس على الراهب حين سأل عن أعلم أهل الأرض.

المثال الثاني: طالب متدين فاشل دراسيًا، فهل يعني أن هناك صلة بين التدين والفشل الدراسي؟. أو طالب متدين متفوق دراسيًا، هل يعني ذلك أن هناك صلة بين التدين و التفوق الدراسي؟.

إنها ظواهر كثيرة يبدو لنا في تفكيرنا العاجل الربط بينها، وافتراض السببية، والواقع أن الصلة محدودة أو معدومة.

الخطأ الرابع: الغلو والتطرف

يرتبط الغلو والتطرف بمحدودية الثقافة ارتباطًاُ وثيقًا، ومن ثم كانت مجتمعاتنا تتسم بقدر منها في التفكير.

ومن صور الغلو والتطرف ما يأتي:

الصورة الأولى: الغلو في الحديث عن حجم الظواهر، وهذه الصورة أكثر ما تحدث لدى الخطباء والوعاظ، فكثيرًا ما نسمع هذه العبارة (هذه ظاهرة تنذر بالخطر، هذه مشكلة عظيمة) .

إننا نخلط بين خطورة الظاهرة وحجمها، فالظاهرة الخطيرة تستحق التحذير والحديث، لكن ذلك لا يسَوِّغ تضخيم حجمها.

الصورة الثانية: الغلو في الحديث عن الطاعة، فقد نتحدث عن طاعة من الطاعات، فنغلو في الحديث عنها، فقيام الليل على سبيل المثال شأن الصالحين ودأبهم، ورد ذلك في معظم آيات القران التي وصف الله عز وجل فيها المتقين والمؤمنين، لكن لا يمكن أن يتحول قيام الليل إلى فريضة، ولا يمكن أن يكون ترك قيام الليل علامة على عدم الجدية، وقسوة القلب ..إلخ..

نتحدث أحيانًا عن بعض النوافل، ونحولها إلى فرائض، بل نجعلها علامة على صدق التدين وعدمه، يأتيك متحدث يقول لك: أن هذا الشاب غير جاد في التزامه لماذا؟. لأنه لا يقوم الليل، ولا يصوم النوافل، ولا يقرأ القران. إذًا هو غير جاد.

إن هذا الأمر لم يوجبه الله على عباده، ولو لقي العبد ربه تبارك وتعالى، وهو لم يقم ليلة واحدة من الليالي، أو لم يصم نافلة، فإنه لن يحاسب ولن يسأل عن ذلك، ولو أننا نحتاج إلى الحث على النوافل، والتأكيد والتربية عليها؛ لتعوض الإنسان ما نقص من فريضته، وتكفر ذنوبه. لكن هذا شيء، والغلو في الحديث عنها، وتحويل السنة إلى واجب شيء آخر.

الصورة الثالثة: الغلو في الحديث عن المعصية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت