فهرس الكتاب

الصفحة 765 من 27345

إن المؤمن يعظم المعصية ويخاف منها، وهو يرى أنها كالجبل يوشك أن يسقط على رأسه لكننا قد نتحدث عن معصية يقع فيها الشباب، فنبالغ في الحديث عنها، ونجعلها سببًا لسوء الخاتمة، وقد تؤدي بالإنسان إلى الوقوع في الانحراف، مع أنها من الصغائر، ولا تصل إلى حد الكبيرة. والله عز وجل يقول: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) . سورةالنساءآية31. وفي المقابل قد يتحمس الإنسان ليبعث الرجاء عند الناس، فيقع في الطرف الآخر. خطيب كان يتحدث عن التوبة، فيريد أن يشجع الناس على التوبة. فقال: إن الله عز وجل لم يقل لا تسيئوا، ولكن قال: إذا أسأتم فاستغفروا.

وهل يسوغ أن يأتي متحدث إلى قوم أهل كبائر، فساق وفجَّار؛ ليقول لهم: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولحاء بقوم يذنبون؛ فيستغفرون فيغفر الله لهم؟ إنه يحتاج إلى اعتدال فالغلو في تضخيم المعصية لا يسوغ، وكذلك الغلو في التهوين من شأنها.

الصورة الرابعة: الغلو في الحماس للفكرة، فقد يتحمس إنسان لفكرة من الأفكار، فيضخمها ويقيس الناس من خلالها، ويطالبهم أن يتحمسوا لها بقدر حماسه هو لها. هذه الفكرة قد تكون مشروعًا دعويًا، أو بابًا من أبواب الدعوة، أو الخير.

من حق هذا المرء أن يفرغ وقته كله وجهده ليكون متخصصًا في ميدان من الميادين، لكن هذا شيء، وأن يطالب كل الناس أن يتحمسوا لفكرته شيء آخر.

الخطأ الخامس: القطع في الظنيات أو الأمور الاحتمالية

هناك أمور ظنية لا يمكن أن نقطع فيها، إلا أننا قد نحولها إلى مسائل قطعية ومن ذلك المسائل الاجتهادية فقد يترجح عند الإنسان فيها رأي معين، لكن ستبقى محل اجتهاد. لا يسوغ أن يصنف فيها كتاب تقرأ رأي المؤلف من عنوانه: القول القاطع، القول الصواب ..إلخ

وكما يحصل الخلل في القطع في الأمور الظنية في باب الأحكام الفقهية فهو يمتد إلى مجالات أخرى في حياتنا.

ففي تفسير الظواهر السياسية والتربوية، وفي الحديث عن المسائل الاجتماعية هناك مجالات واسعة للأخذ والعطاء والاحتمال. وحين يترجح لدى المتحدث رأي فهذا لا يلغي الاحتمال الآخر.

وفي ميادين النقاش نجد تباينا واسعا فهذا يتبنى رأيا والآخر يتبنى الرأي المقابل له والمضاد له، ولو كانت المسالة بهذا القدر من القطع والحزم لما احتملت اختلاف الآراء بهذا القدر من التباين.

إننا بحاجة إلى قدر من النسبية في التعامل مع ما يحتمل الرأي والاجتهاد، فبدلا من الحزم والقطع لنقل إن هذا الرأي صحيح بنسبة سبعين في المائة أو أقل أو أكثر، والمسألة محل نظر وأخذ وعطاء.

الخطأ السادس: المبالغة في التبسيط

هناك ظواهر معقدة نبسطها كثيرًا، فنجعلها قضية سهلة، وكثيرا ما يحصل ذلك في الظواهر الاجتماعية.

مثال ذلك: ظاهرة التأخر في الزواج فقد ترى من يقول سبب التأخر في الزواج هو كذا، والحل هو كذا .

والواقع أن هذه الظاهرة معقدة ولها أسباب كثيرة. منها ما يتعلق بنظام التعليم، ومنها ما يتعلق بفرص العمل، وأخرى ترتبط بالنمط الاستهلاكي الذي يعيشه الإنسان، وبالعادات الاجتماعية التي اعتادها الناس في الزواج.

ثم أن الحلول ليست بهذه البساطة، وإلا انحلت مشاكل الناس كلها.

الخطأ السابع: النظرة الأُحادية

كثيرًا ما ننظر إلى الأشياء نظرةً أُحادية، فالظاهرة نفسرها تفسيرًا واحدًا، والحل نختزله في قضية واحدة. دعونا نأخذ الأمثلة على ذلك:-

المثال الأول: حينما نسعى إلى تفسير ظاهرة التأخر في الزواج فإننا نبحث عن سبب واحد يفسر هذه الظاهرة، وهذا سر اختلافنا؛ لأنه يترجح عندي هذا السبب، ويترجح عندك السبب الثاني فنتصارع؛لأننا نريد أن نحسم الحل.

ألا يمكن أن يكون هناك مجموعة أسباب تفسر هذه الظاهرة؟ وأن هذه الأسباب تختلف درجة علاقتها بالظاهرة؟ وكل سبب يفسر لنا جزءًا منها.

مثال آخر: ما يقال في توصيف واقع الأمة: ما هو السبب فيما آلت إليه الأمة الإسلامية؟. شخص يقول لك: هو غياب العلم الشرعي، وأن العلم سيحل لك كل شيء وأنه من خلال العلم سيعرف الناس عقيدتهم والحلال والحرام وما يصلح قلوبهم ويعرفون أعداءهم ويدركون واقعهم.

بينما يقول آخر:العبرة بالإيمان؛ لأن المرء إذا صار عنده إيمان وتقوى فلن يعمل إلا بعلم وسيصلح تعامله مع الناس، وسيقوم بالدعوة وسيطلب العلم.

والنزاع ليس حول أهمية العلم أو الإيمان أو إصلاح النفس، إنما هو في اختزال الأسباب في سبب واحد.

وينشأ عن ذلك أن العلاج عند هؤلاء ليس له إلا سبيل واحد وطريق واحد.

ولو اتسع أفقنا لأدركنا أن الأسباب متعددة ومتداخلة، وفي المقابل فخطوات العلاج هي الأخرى متعددة.

الخطأ الثامن: افتراض خيارين لا ثالث لهما

كثيرا ما نضع أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما، فإن صح الخيار الأول بطل الثاني، وإن بطل الأول يتعين الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت