فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 27345

وهو أسلوب نمارسه في تقويم المواقف والأشخاص فنتأرجح بين القبول المطلق والرفض المطلق، فلو سألت من استمعوا لمحاضرة ما ستجد آراءهم بين مادح بإطلاق، أو قادح بإطلاق.

ومثل ذلك الحكم على الأشخاص والمشروعات الدعوية والعلمية.

ونمارسه في التعامل مع مشكلاتنا فنفترض خيارين لا ثالث لهما، بينما تتطلب كثير من المشكلات أن نقف موقف الوسط بين الخيارين.

الخطأ التاسع: الخلط بين الآراء والحقائق

حين نقرر أن الزواج المبكر يزيد من تحصيل الطالب الدراسي، أو أن الزواج من الأقارب أولى من الأباعد فهذا رأي شخصيا يحتمل الصواب والخطأ.

لكن حين نقرر أن الزواج أولى من العزوبة فهذه حقيقة علمية تسندها الأدلة الشرعية القطعية وأدلة العقل والفطرة.

والآراء تحمل قدرا من النسبية وتخضع للأخذ والعطاء، وقد تستمد قوتها من تخصص صاحبها واهتمامه بموضوع ما، لكن ذلك لا يخرجها من دائرة الآراء إلى دائرة الحقائق.

والخطأ هاهنا ينشأ في الخلط بين الآراء والحقائق، وتحويل الآراء إلى حقائق علمية مقطوع بها.

الخطأ العاشر: التعامل الخاطيء مع الأخبار

ثمة طائفة من الأخطاء تقع في التعامل مع الأخبار ومنها:

أولا: الخلط بين الرواية والتقويم

قد يحكي أحد الثقات عن موقف من المواقف، كبلد زارها وقابل أهلها، أو جماعة دعوية التقى بها، أو شخص عاشره وخالطه فنخلط روايته بتقويمه.

قد يقول رأيت الفئة الفلانية تهمش العلم الشرعي ولا تعنى به، ورأيتهم يتساهلون في مواقفهم وآرائهم، ثم يحكي شواهد على ذلك، فيتقبل الناس ما يقوله؛ لأنهم يثقون به، وينسون أن الثقة فيه تستوجب قبول خبره لا رأيه وتقويمه، فالخبر المجرد الذي يرويه يختلف عن الأحكام التي يصدرها على الناس، أو المواقف التي يفهمها بناء على خلفيته.

وقديما فرَّق أهل العلم بين رواية الراوي ورأيه، وردوا رواية أقوام يعتقدون صلاحهم ودينهم.

ثانيا: تأثير العاطفة على قبول الخبر ورفضه

في مواقف كثيرة تدعونا عواطفنا إلى قبول طائفة من الأخبار أو رفضها، فيؤثر علينا ذلك في تلقينا للخبر، فنفرح بأي خبر يؤيد ما نحب ونعطيه أكبر من حجمه، ونهمش ما لا يتفق معه ونهون منه.

وأقرب مثال على ذلك أحداث أمريكا وأفغانستان الأخيرة، فثمة كثير يضخمون ما يتفق مع عواطفهم، ويقللون من شأن ما يتعارض معها، وكثيرا ما تواجه حينما تشكك في خبر أو تستغربه بالطعن في ولائك للدين وأهله.

إنه ما يسميه علماء النفس ( تحيز الإثبات) وهو ولع الشخص بالمعلومات التي تؤيد صدق أفكاره الحالية وتتفق معها.

إن من مصلحتنا أن نفهم الأخبار كما هي لا كما نحب ونريد.

الخطأ الحادي عشر: الاعتراض بالمثال

يحرص كثير من الكتاب والمتحدثين على التمثيل على ما يقول، ونظرا لأن المثال أكثر التصاقا بواقع الناس فإن وقعه عليهم أكثر من وقع الحقائق المنطقية.

وقد يورد المتحدث مثالا خاطئا، أو يختلف السامع معه في الحكم على المثال، فينقل سامع ذلك إلى القضية موضع التمثيل.

إن المثال كثيرا ما يأتي استطرادا -خاصة في الحديث المسموع- وقد يستدعيه المتحدث من الذاكرة فلا يحرره ولا يعتني بصحته ومن ثم لا يتسق مع موضوع الحديث.

ومن مظاهر ذلك أن كثيرا من الأسئلة التي توجه للمحاضر أو المتحدث هي حول الأمثلة التي ساقها وينسى السائل ما هو أهم من ذلك كله ألا وهو الفكرة.

وقد فرق أهل العلم في نسبة الأقوال إلى أصحابها بين ما يأتي تمثيلا واستطرادا، وما يأتي تحريرا وتقريرًا.

الخطأ الثاني عشر: الغلو في اعتقاد المؤامرة

يُتهم الإسلاميون اليوم بأنهم يغلون في افتراض المؤامرة، وهذا الافتراض له نصيب من الصحة بغض النظر عن درجة هذا الغلو، وعن مقاصد من يتهم الإسلاميين به.

ومما أدى إلى ذلك ما يلي:-

أولًا: وجود المؤامرة بالفعل، وفي كل يوم يكشف لنا التاريخ أن حدثا من الأحداث التي كنا نظنها عفوية كان نتيجة مؤامرة ومكر.

ثانيًا: طبيعة العقلية التي تميل إلى التبسيط، فكلما قلت ثقافة الإنسان وخبرته صارت فرص قبوله للتفسيرات العاجلة وغير المعقدة أكثر.

ثالثًا: كثرة حديث الإسلاميين عن الكيد للأمة والتآمر عليها.

إننا لا ننكر وجود المؤامرات، ولا ندعو إلى إهمال الحديث عنها، لكن يجب أن تبقى المؤامرة فرضية واحتمالًا يخضع للبحث والمناقشة.

الخطأ الثالث عشر: افتقاد العلاقة الصحيحة بين الأسباب والنتائج

من سنة الله تعالى أن لكل سبب نتيجة، وأن أمور الناس والمجتمعات تسير وفق سنن ظاهرة واضحة.

والتفكير السليم يقتضي إدراك هذه العلاقة، فلا غنى عنها لتفسير المواقف الفردية والجماعية، ولرسم السياسات والتفكير في المستقبل.

لقد شاع عند طائفة من الناس تفسير فشله في الدراسة أو العلاقة الزوجية بالعين والحسد والسحر ونحو ذلك، وهي حق لاشك فيها، لكن تفسير المواقف المحددة بها قد لا يكون صحيحًا.

ولو عاد هؤلاء إلى واقعهم بموضوعية فسوف يكتشف كثير منهم مصادر الخلل ومكمن الداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت