فهرس الكتاب

الصفحة 7706 من 27345

ولقد كان الصحابة جميعا-رضي الله عنهم- يحبون النبي - صلى الله عليه وسلم- حبا صادقا حملهم على التأسي به والاقتداء واتباع أمره واجتناب نهيه؛ رغبة في صحبته ومرافقته في الجنة، قال تعالى:"وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" [النساء:69] وفي الحديث"المرء مع من أحب" (6) .

وجاء في حديث أنس -رضي الله عنه-; بلفظ قال:"شهدت يوم دخل النبي - صلى الله عليه وسلم- المدينة فلم أَرَ يومًا أحسنَ ولا أضوأََ منه" (7) ، وفي رواية:"فشهدتُه يومَ دخلَ المدينةَ فما رأيت يومًا قَط كان أحسنَ ولا أضوأَ من يوم دخل علينا فيه، وشهدته يوم مات فما رأيت يومًا كان أقبحَ ولا أظلمَ من يوم مات فيه -صلى الله عليه وسلم-" (8) .

ثالثا: أمور مهمة في الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم-:

-ومن الجوانب المهمة في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ أن سيرته - صلى الله عليه وسلم- في إيمانه وعبادته وخلقه وتعامله مع غيره، وفي جميع أحواله كانت سيرة مثالية في الواقع، ومؤثرة في النفوس؛ فقد اجتمعت فيها صفات الكمال وإيحاءات التأثير البشري، واقترن فيها القول بالعمل؛ ولا ريب أن الإيحاء العملي أقوى تأثيرًا في النفوس من الاقتصار

على الإيحاء النظري؛ لهذه العلة أرسل الله تعالى الرسل ليخالطهم الناسُ ويقتدوا بهداهم، وأرسل الله سبحانه الرسولَ - صلى الله عليه وسلم- ليكون للناس أسوة حسنة يقتدون به، ويتأسون بسيرته، قال المولى - عز وجل-"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" [الأحزاب:21] ، وقد أمرهم -صلى الله عليه وسلم- بالتأسي به فقال:"صلوا كما رأيتموني أصلي" (9) ، وقال - صلى الله عليه وسلم-:"لتأخُذُوا مناسِكَكُم" (10) .

وقال بعضهم في الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم- والتأسي به:

إذا نحن أدلجنا وأنت إمَامُنا *** كفى بالمطايا طِيبُ ذِكراكَ حاديا

وإن نحن أضلَلْنَا الطريقَ ولم نجدْ*** دليلا كفَانَا نُورُ وَجْهِكَ هَاديا (11)

ومن الأمور التي يجدر التنبيه عليها أيضا في الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم والتأسي به:

-العمل بسنته باطنا وظاهرا: مثل سنن الاعتقاد ومجانبة البدعة وأهلها. والسنن المؤكدة: مثل سنن الأكل واللباس والوتر وركعتي الضحى، وسنن المناسك في الحج والعمرة ..

-تطبيق السنن المكانية: الذهاب إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والصلاة في مسجده، والصلاة في مسجد قباء، والصلاة في الروضة الشريفة، وهي من رياض الجنة التي ينبغي التنعم فيها والاعتناء بها، قال - صلى الله عليه وسلم-: (( ما بين بيتى ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي ) ) (12) .

-الإكثار من الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -; كما في قوله: (( من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ) ) (13) .

رابعا: حاجة الأمة إلى القدوات دوما بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم-:

إن الاقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله تعالى ليس بالموضوع الهين، فإنه أمر جلل، والأمة الإسلامية اليوم، وهي تشهد صحوة وتوبة وأوبة إلى الله تعالى، وتشهد -في الوقت نفسه- مناهج وطرقًا مختلفة في الدعوة إلى الله.. هي أحوج ما تكون إلى معرفة منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنهج الأنبياء الكرام في الدعوة إلى الله؛ فليس هناك منهج يقتدى به في الدعوة والعلم والعمل إلا منهج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن تبعه من الصحابة الكرام والسلف الصالح .

فمنذ عهد الصحابة -رضوان الله عنهم- ومن تبعهم من الصالحين والعلماء والدعاة وأهل الفضل والتقى على مر العصور خلفوا سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم- في عطائها وإيحائها وتأثيرها؛ لأنهم ورثة الأنبياء، يقتدي بهم الناس في اتباع هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم- والعمل بسنته، وبقيت سيرهم بعد وفاتهم نبراسًا يضيء طريق محبيهم إلى الخير، ويرغبهم في السير على منهج الحق والهدى .

وعلى الرغم من اختفاء تلكم الشخصيات عن العيون إلا أن سيرها العطرة المدونة لا تزال بقراءتها تفوح مسكًا وطيبًا، وتؤثر في صياغة النفوس واستقامتها على الهدى والصلاح، قال بشر بن الحارث:"بحسبك أقوام تحي القلوب بذكرهم، وبحسبك أقوام تموت القلوب بذكرهم".

ذلك أن القدوة لا تزال مؤثرة وستبقى مؤثرة في النفس الإنسانية، وهي من أقوى الوسائل التربوية تأثيرًا في النفس الإنسانية، لشغفها بالإعجاب بمن هو أعلى منها كمالًا، ومهيأة للتأثر بشخصيته ومحاولة محاكاته، ولا شك أن الدعوة بالقدوة أنجح أسلوب لبث القيم والمبادئ التي يعتنقها الداعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت