فهرس الكتاب

الصفحة 7720 من 27345

التوازن بين كراهية الصدارة والشهرة، وبين وجوب قيادة الناس:

لا ينبغي أن يفهم من هذا الموضوع إرادة قتل الطموح، وتفضيل دنو الهمة والقعود والخمول والعجز والكسل والتهرب من المسؤولية، وترك العمل، والتخاذل عن الواجبات، وفروض الكفايات ـ خاصة إذا تعينت على الأكفاء ـ، وترك اغتنام الفرص النافعة في الدعوة إلى الله ـ عز وجل ـ.

وقد جعل ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ الفرق بين الأمرين كالفرق بين تعظيم أمر الله وتعظيم النفس. فالناصح لله المعظم لله يحب نصرة دينه، فلا يضره تمنيه أن يكون ذلك بسببه وأن يكون قدوة في الخير. أما طالب الرياسة فهو ساعٍ في حظوظ دنياه، ولذا ترتب على قصده مفاسد لا حصر لها (32) .

والمقصود أن الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة، وهو فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم: ?وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا? [الفرقان: 74] أي: أئمة هدى يقتدى بأفعالهم،وهذا لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون العباد ممتثلين لأمره.

وقال ـ سبحانه وتعالى ـ قاصًا كلام يوسف ـ عليه السلام: ?قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ? [يوسف: 55] ، وليس ذلك حرصًا منه على الولاية، وإنما هو رغبة في النفع العام، وقد عرف من نفسه الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فقصده إصلاح أموال الناس، وهو جزء من رسالة الداعية إلى الله، الذي يكون همه الأول فعل الخير طلبًا لمرضاة الله ـ تعالى ـ، وليس قصده إرواء غليله، وإرضاء شهوته في الزعامة؛ فالضابط فيها هي النية والموازنة بين المصالح والمفاسد العامة.

فبالجملة: هاتان الآيتان توضحان أن المسلم هو الرائد والدليل، بل قد ينبغي له طلب هذه الوظيفة الشريفة، بل قد تتعين عليه للمصلحة. والأدلة والأقوال المحذرة لا تنطبق على داعية تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق، حتى لو اشتهر وعرف فلا بأس (33) . ويجب التنبيه إلى أن هذا الأمر مزلق؛ لالتباس النية فيه كثيرًا، وصعوبة تمحيص القصد، وذلك علمه إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: ?وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ? [ آل عمران: 30]

الكشف عن القدرات: كون بعض الدعاة لا يصلح للإمارة لا يعني إخفاقه وضعفه في كل شيء، بل إن غاية الأمر أنه لم يؤت قدرة في هذا الجانب، وقد يكون لديه من القدرات والإمكانات في العلم والعمل ما يفوق ما عند غيره ممن أُهل للإمارة مثلًا، وهذه سنة الله ـ تعالى ـ في توزيع القدرات، ليحصل التكامل والتوازن، قال ـ تعالى ـ: ?وَهُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ? [الأنعام: 165] فعلى العبد أن يفتش في نفسه عما هو أهل له، ليقوم بحق الله ـ تعالى ـ فيه.

وهكذا كانت نصيحة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر حين قال له: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرنّ على اثنين، ولا تَولّيَنّ مال يتيم) (34) . ولا يقدح هذا في شيء من منزلة أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ وجلالته وقدره.

الهوامش:

(1) انظر: مجلة البيان، ع 90، ص 111.

(2) رواه أحمد، ج3، ص 456، 460، وانظر: صحيح الجامع، ح/5620، وانظر: رسالة بعنوان: (شرح حديث: (ما ذئبان جائعان? لابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ، فقد أخذت منه كثيرًا في هذا الموضوع، وقد لا أشير إليه في بعض المواضع تحاشيًا لإثقال الهوامش.

(3) انظر: تفسير السعدي، ص 575. (4) رواه البخاري، ح/7146.

(5) انظر: الفتح، ج13، ص 133. (6) رواه البخاري، ح/7148.

(7) وسندها صحيح. انظر: الفتح، ج13، ص 134. (8) رواه البخاري، ح/7149.

(9) انظر: شرح جوامع الأخبار، للسعدي، ص 105. ضمن المجموعة الكاملة.

(10) شرح حديث أبي ذر، ص 25، وجامع الرسائل، ج1، ص 233، كلاهما لابن تيمية.

(11) انظر: شرح حديث (ما ذئبان جائعان) لابن رجب، وانظر مشكلات وحلول في حقل الدعوة الإسلامية للبلالي، ص 85، 143.

(12) رواه أحمد، ج2، ص 371، 440، وانظر: صحيح الجامع، ح/6124.

(13) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ج2، ص 1120.

(14) خواطر في الدعوة، محمد العبدة، ج2، ص 23. (15) رواه مسلم، ح/2664.

(16) جامع بيان العلم وفضله، ج1، ص 571.

(17) انظر: آفات على الطريق، السيد محمد نوح، ج2، ص 67، وأخذت منه في مواضع أخرى من هذا الموضوع.

(18) السير، ج 18، ص 191، 192.

(19) رواه أحمد، ج2، ص 231، وانظر: صحيح الجامع، ح/5695.

(20) انظر: خواطر في الدعوة، محمد العبدة، ج2، ص 23.

(21) انظر مختصر منهاج القاصدين، ص 267. وانظر سير أعلام النبلاء، ج18، ص 191،192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت