فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يُبتلى بهذه الشهوة العلماء والعباد والدعاة والمجاهدون ونحوهم؛ وذلك أنهم منعوا أنفسهم من المعاصي والشهوات، حتى لم يعد لهم فيها مطمع، ولكن نفوس بعضهم تبحث عن بديل ومكافأة لشدة المجاهدة، فتجده في التظاهر بالصلاح والعلم والدعوة... ولذة القبول عند الخلق، وتوقيرهم له واحترامهم وطاعتهم، فيهون عليها ترك المعاصي؛ لأنها وجدت لذة أعظم منها، وهذه مكيدة عظيمة؛ فقد يظن العبد نفسه مخلصًا، وهو في عداد المنافقين (21) ـ والعياذ بالله ـ ولكن يا ترى ما أسباب هذا الأمر في الحقيقة؟ (22) .
1-ضعف الإيمان والرغبة فيما عند الله، الذي بسببه يركن هؤلاء إلى الدنيا، ويؤثرونها على الآخرة، وأشد من هذا: فساد النيّة، واتخاذ سبيل العلم والدعوة سُلمًا لنيل الأغراض الشخصية، وما لهذا في الآخرة من نصيب، فلْيَنَلْ حظه من الدنيا!!
2-وهناك أخطاء تربوية تسهم في إشعال فتيل حب الزعامة، منها: الإكثار من مدحه والثناء عليه، أو عدم الكشف عن الطاقات الكامنة في المتربي لتوظيفها فيما يناسبها، مما يجعله يسعى لتوظيفها في هلاكه، ومنها: الغفلة عن بذور هذا المرض الأولية التي قد تبدو في سن مبكرة من المراحل التربوية، فتحتاج إلى تهذيب وترشيد ومتابعة؛ لئلا تجمح بصاحبها.
3-التوهم بخدمة الدعوة من خلال المنصب، والظن ـ أحيانًا ـ بأن الإصلاح لا يكون إلا من مصدر القوة، وسبب هذا: عدم وضوح المنهج النبوي في الدعوة.
4-طبيعة الشخص نفسه، فقد يكون فيها من الثغرات ما يسبب مثل هذا، كالغيرة من أقرانه الذين نالوا ما يتمناه هو، أو غروره بسبب تفوقه على غيره، أو بروزه في الدعوة أو النسب، أو توليه بعض المسؤوليات والمهام.
5-الظن بأن المنصب تشريف، والغفلة عن كونه تكليفًا ثقيلًا، ومسؤوليةً ضخمة، وعبئًا ثقيلًا، وهذا يتطلب من صاحبه التضحية بوقته وماله ونفسه وراحته لمصلحة الآخرين، وأن التقصير فيه خيانة للأمانة وتضييع للواجب.
علاج الآفة وحلول المشكلة:
بعد تدبر الأسباب يظهر أن العلاج يتطلب خطوات أهمها (23) :
1-تكثيف التربية الإيمانية؛ القائمة على الإخلاص والتجرد لله ـ تبارك وتعالى ـ، والعمل للآخرة، والزهد في الدنيا.
2-التربية على الطاعة وهضم النفس منذ الصغر، والرضا بالموقع الذي يعمل فيه، وأداء واجبه أيًا كان نوعه، كما صوّر النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك الحال في قوله: (طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٍ رأسه، مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفّع) (24) .
3-التزام الضوابط الشرعية في المدح، وتجنب مدح أحد الأقران أمام قرينه مطلقًا.
4 -توضيح الأسس الشرعية لاختيار الأمير، وأنه لا يجوز طلب الإمارة، ولا الحرص عليها، وأن من طلبها لا يُوَلاّها، وإن وُلِّيها لم يُعَن عليها.
5-المصارحة والمكاشفة لمن تبدو عليه علامات الحرص، مع إحسان الظن به، فقد يكون متميزًا أو لديه مهارات فطرية، ومن ثَمّ النصيحة الفردية، فقد نصح النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ في هذا الأمر خاصة (25) .
6-تبيان الآثار المفسدة لنفس العالم والداعية من جرّاء حرصه عليها (26) .
7-توضيح تبعاتها في الدنيا والآخرة. ومما ورد في ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة) (27) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أمير عشيرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا، لا يفكه إلا العدل، أو يوبقه الجور) (28) .
8-الاعتبار بحال السلف الصالح في تواضعهم لله ـ تعالى ـ، وكراهيتهم الشهرة والتصدّر، وكل ما يؤدي إليها، ومحاولة عزل أنفسهم من بعض المواقع كما حصل من أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن، وعمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنهم ـ، والأمثلة كثيرة... تركوها لله، لانشغالهم بمرضاته، وتوحّد همّهم وقصدهم، فتكفّل الله لهم بخير الدارين، فعوّضهم الله بشرف التقوى، وهيبة الخلق، قال ـ عز وجل ـ: ?إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ ودًا? [مريم: 96] ، وقال: (وما تواضع أحد لله إلارفعه) (29) . وقال: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) (30) .
ولا يمكن بحال تحصيل هذه المنزلة لمن كان في قلبه حب المكانة في قلوب الخلق في الدنيا؛ لأن هذا من أعظم الصوارف عن الله ـ تعالى ـ. كتب وهب بن منبه إلى مكحول: (أما بعد: فإنك أصبت بظاهر علمك عند الناس شرفًا ومنزلة، فاطلب بباطن علمك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تمنع من الأخرى) . والمراد بالعلم الباطن: المودع في القلوب من معرفة الله وخشيته ومحبته ومراقبته، والتوكل عليه والرضى بقضائه والإقبال عليه دون سواه... فمن أغل نفسه بالمحافظة على ما حصل له من منزلة عند الخلق كان ذلك حظه من الدنيا، وانقطع به عن الله (31) .