وما لم يفكر أبناء الأمة الإسلامية وفرسانها الجادين باستعادة مجدهم وتاريخهم العريق فلن يفكر بذلك أحد غيرهم ، بل سيخطط أعداء هذه الأمة لتحطيم الإسلام وإبادة أهله وقد فعلوا، فالتأوه والحزن لا يصنع شيئًا، ولا يغير واقعًا ، ولله درُّ إبراهيم طوقان حين قال:
أفنيت يا مسكين عمرك بالتأوه والحزن
وقعدت مكتوف اليدين تقول حاربني الزمن
مالم يقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن
كم قلت أمراض البلاد وأنت من أمراضها
والشؤم علتها فهل فتشت عن أعراضها
كتاب الهمة العالية للشيخ/ محمد الحمد ص 50
والغريب أننا مع كثرتنا وافتخارنا بأننا أمة المليار ونصف ، لم نستطع وإلى الآن أن نردع العدو، وأن نكسر شوكته، وأن ننطلق في الآفاق لنشر دعوة الله في أرجاء العالم.
إنها الغثائية التي أخبر عنها النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- فانطبقت علينا حين رضينا بالدون وأحببنا الدنيا ، وصرنا نرضى بالحياة أي حياة ، ولو كانت حياة هزيمة ووهن ، وأصبحت كثرتنا لا تصنع شيئًا فصرنا كما قال الشاعر:
يثقلون الأرض من كثرتهم ثم لا يغنون في أمر جلل
وقد عبَّر عن ذلك الدكتور / عبد الودود شلبي حيث قال: [لقد سقط [[المجدار] ]، ومشت سكة الأجنبي في حقل الإسلام، وتداعت الأمم على المسلمين، كما تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بأكثر من ألف وأربعمائة عام] أفيقوا قبل أن تدفعوا الجزية للأستاذ/ عبدالودود شلبي صـ 29.
ولا ريب فإنها معادلة صائبة حين نقول: غثائية جماعية = تداعي الأمم.
[4] [ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا] :
إنَّ من أخطر ما أصيب به المسلمون في كثير من أعمالهم أن صار معظمها [ ردود أفعال] ما أن تشتعل في قلوبنا إلا وانقطعت من جديد ، لأننا غالبًا نتحرك بلا هدف ولا تخطيط ، فالأحداث تسيرنا وتفرض نفسها علينا وكثير منَّا لا يُكَيِّفُهَا حسب خطة عمل ، أو يوظفها لصالحنا.
لذا أضحت أفعالنا وقتية ، وتحركاتنا آنية ، ولا شكَّ أنَّ هذا خلاف العمل المتكامل ، وقد كان كثير من علماء الإدارة يوصون بكلمة قصيرة لكن معناها عميق وهي [ابدأ والنهاية في ذهنك] .
إن النجاح الحقيقي أن يعرف الإنسان هدفه في الحياة ، وهدفه من العمل الذي يريد تحقيقه ، ثم يسعى لذلك مرتبًا لكل مرحلة منهجية يسير عليها، ومعالم يستنير بها ، فلا يكن حاله كحال الكثير يعمل متحمسًا في البداية ثم ينقطع في آخر الشوط فلم يفلح ولم يصلح وقد نهى الله عن ذلك بقوله: [ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا] النحل [92] لذا كان من أهمِّ الأمور التي وصَّانا بها علماؤنا أن يكون للإنسان في ما يريد فعله عزمة بداية ، وعزمة نهاية ، فتكونُ شرارة توقد البداية ، وعزم ثانٍ لتستمر للنهاية ، قال الإمام ابن رجب ـ رحمه الله ـ في شرحه لحديث شداد بن أوس ـ رضي الله عنه العزم نوعان:
أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق، وهو من البدايات.
والثاني: العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها ، وعلى الانتقال من حال كامل ، إلى حال أكمل منه ، وهو من النهايات... وعون الله على قدر قوة عزيمته وضعفها ، فمن صمَّم على إرادة الخير أعانه الله وثبَّته، كما قيل:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي بتحقيق/ طلعت الحُلواني ج1/ صـ344
ومن هنا فإنَّ على مريد التمكين لهذا الدين أن يواصل سيره فلا يكلَّ ولا يملَّ ، وينكب لمشروعه النُّصروي لهذه الأمَّة انكبابًا ينحني له الظهر ولو كانت بدايته مضنية، ولا ضير فقد نقل الإمام الشوكاني- رحمه الله- في أدب الطلب عن أفلاطون كلمة رائعة سبقها بقوله: [وما أحسن ما حكاه بعض أهل العلم عن أفلاطون فإنه قال:الفضائل مرَّة الأوائل حلوة العواقب،والرذائل حلوة الأوائل مرَّة العواقب] أدب الطلب ومنتهى الأرب/ صـ 186
فلنأخذها قاعدة وأصلا بأنَّ العمل الإصلاحي العظيم سيكون شاقًَّا في بدايته إلَّا أنَّ ثمرته ستكون يانعة مورقة ولابدَّ لذلك ؛ نفس تضيء وهمَّة تتوقد ، وليكن لسان الحال كما قيل:
إنَّ عليَّ أن أسعى وليس عليَّ إدراك النجاح
[5] [يا أيُّها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون] :
كثير من المسلمين ـ وفي تقديري ـ لا ينقصهم الوعي بقدر ما تنقصهم امتلاك الإرادة ، والعزيمة والإصرار في تحويل المكتوب في القرطاس إلى واقع حي ، ومن هذا المنطلق فإننا نحتاج إلى أن نفعل ما نقول وما نكتب، فما احترق لسان بقوله نار ، وما اغتنى إنسان بقوله ألف دينار ، والحلول التي كتبها كثير منا في الإصلاح ، ومواجهة الأعداء صحيحة، لكنَّها عمليًا ليست ملموسة في أرض الواقع ؛ ولأضرب مثلًا:
أ ـ فكثير من الكتاب والعلماء والمثقفين ذكروا أن من أسباب هزائمنا المتوالية، انعدام الهدف ، وعدم وجود خطة استراتيجية لمقاومة الطغاة المعتدين ، فهل بدئ بترتيب شيء من هذا الكلام؟