فهرس الكتاب

الصفحة 7739 من 27345

ب ـ وكثير من العلماء والمفكرين يذكر أن من أسباب هزائمنا عدم الاعتصام بالكتاب والسنة ، ثم نجد البعض منهم مفرط بهذا الأمر، فينشغل بالبدع والخرافات ، وتقديم العقليات ، والمصالح الموهومة على النصوص الشرعية.

ج ـ وكثير ممن يحترق لأمته من أهل الدين والصلاح يقول: إنَّ من أعظم أسباب انتصارنا [وحدة الصف، وجمع الكلمة ، ورأب الصدع ، واتفاق المسلمين] ومع ذلك تجده في مواطن عدة يكون مفتاحًا للتفرق المذموم، ومضياعًا لسنة الاجتماع، ومفرطًا بأدنى الحقوق مثل حقوق المسلم على أخيه المسلم، مشهرًا بعيوب من قام بنصرة دين الله ، ومجرمًا لهم لاختلاف وجهة نظره مع وجهة نظرهم.

وهذه نماذج توضح أننا نمتلك رصيدًا طيبًا من الوعي ، إلا أنه يغاير ذلك تطبيق ما وعيناه في أرض الواقع.

إنَّ داء الكلام بلا عمل وتطبيق ، أمر قدْ حذَّر الله منه ومقت فاعليه قائلًا في محكم التنزيل [ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون] الصف [2] ولهذا فلا يستغرب أن تجد من يكثر الكلام أو النقد الآثم والجدل المذموم أن لا يحسن إلا ذلك، فلا يكون إلا ثرثارًا مهذارًا وليس لديه تجاه تلك النوازل إلا توسيع دوائر الفرقة ، والقدح في أولياء الله المؤمنين والمدافعين عن حياض الأمة وكرامتها فهو كما قيل: جعجعة لا نرى لها طعن إلا إثارة الفتن، وصدق معروف الكرخي حين قال: [ إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل ، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل] رواه أبونُعَيْم في حلية الأولياء [8/361] ، وقال الحسن [ إنَّ هؤلاء مَلُّوا العبادة ووجدوا الكلام أسهل عليهم وقلَّ ورعهم فتحدثوا] وقال الأوزاعي: [ إنَّ المؤمن يقول قليلًا ويعمل كثيرًا وإنَّ المنافق يتكلم كثيرًا ويعمل قليلًا] كيف أخدم الإسلام للقاسم صـ28

وما أحسن ما قاله عثمان بن عفَّان- رضي الله عنه- موصيًا قومًا لقيهم [أنتم إلى إمام فعَّال؛أحوج منكم إلى إمام قوَّال] تثبيت أفئدة المؤمنين بذكر مبشِّرات النصر والتمكين/ لسيِّد عفَّاني صـ515

فبان الآن أنَّ من يتقن فنَّ الكلام فحسب مع الجدل الذي لا فائدة فيه، ليس ذلك من سيما أهل الإصلاح وَرُوَّاد التغيير، وإنما هو سيما أهل الكسل والثرثرة [ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون] التوبة [87]

والسبب في ذلك ضعف الإرادة ، وحبُّ الذات والأنانية الَّتي سيطرت على توجهاتنا ، فصار كلٌ يدَّعي أنَّ منهجه هو الصواب ، وماعداه يضرب به عرض الحائط ولا يبالي.

وقد صوَّر حالتنا هذه الشاعر بقوله:

كلٌّ يقول أنا الَّذيفإذا الَّذي ليس الَّذييا ويل من لم يعدل

وقد نامت عدَّة مشاريع على الرفوف ولم تنشر في أرض الواقع بسبب الأنانيَّة وحبُّ التصدر والحديث ، وعشق الرياسة!! فمتى ينتبه دعاة الإسلام لهذا الخلل، ويحاولوا إصلاحه؟

[6] [أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمَّن يمشي سويًا على صراط مستقيم] :

من أكبر أسباب هزائمنا انعدام المنهج التخطيطي لدى الكثير من الكوادر القيادية المسلمة ، ومن يقارن حالنا بحال أعدائنا يجد الفرق الهائل والبون الشاسع بيننا وبينهم من ناحية الخطة والتنظيم الحركي والعسكري ، ولذا انتصر كثير منهم علينا لأننا في الحقيقة واجهناهم بلا خطة ولا تنظيم، وصدق من قال:

درجنا على فوضى أضاعت جهودنا وغالوا بترتيب الجهود وأقدموا

وقد يرجع الحقُّ المشوش خائبًا وينتصر البطلان وهو منظَّم

فمن اللازم علينا في فترتنا الراهنة أن يعد الكثير منَّا خطة استراتيجية لمقاومة الاحتلال الصهيو/ صليبي ،ولا يتمُّ ذلك إلا بالتأني والدراسة العميقة وقوة التخطيط، وذكاء الترتيب ، وهندسة الأفكار، وبعد النظرة ، وشمول الفكرة، وأن لا نهتم بالسرعة في العمل بقدر ما يهمنا قوة إيماننا وفكرتنا و التخطيط لأعمالنا ومحاولة تفقيطها وتقسيمها على دوائر العمل والتحضير ، فكثير منا نحن الإسلاميين ، لا ينقصه الزكاء ـ إن شاء الله ـ مع أهمية تعاهده ، بقدر ما ينقصنا الذكاء في العمل ، والبراعة في التخطيط ؛ حتى ننجح في عملية المقاومة.

لكن يحتاج ذلك منَّا إلى سرعة في تفعيله ، ومبادرة حكيمة في رسمه ، فالأوقات تمضي ، وهاهو ابن الجوزي يوصينا قائلًا [ واعلم أنَّك في ميدان سباق، والأوقات تنتهب.ولا تخلد إلى كسل ، فما فات مافات إلا بالكسل، ولا نال من نال إلا بالجد والعزم، وإنَّ الهمَّة لتغلي في القلوب غليان ما في القدور] صيد الخاطر/صـ286

وأختم هذه الفقرة بكلام بديع ذكره الأستاذ المفكر/ وحيد الدين خان في خواطره قائلًا: [إنَّه من الممكن أن تبني مستقبلًا خياليًا للأمَّة بفيضانات الشعارات والخطب والقصائد الحماسية ، ولكن لا يمكن تعمير مستقبل حقيقي للأمَّة بدون جهد حقيقي للأمَّة بدون جهد مخطط طويل الأجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت