ولعمر الله لن يجد العبد طعم النصر إلا إذا أصابته مطارق الابتلاء و تجرع مرارة الأذى فصبر وصابر، فإنَّ دين الله لا يقوم إلا على أكتاف أولي الصبر والعزمات ، وحتمًا فإنَّ العاقبة للمتقين.
قال الإمام: ابن تيمية: [وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام جزع وكلَّ وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا ، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام ، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، وأن العاقبة للتقوى ، وأن مايصيبه فهو بذنوبه فليصبر، إن وعد الله حق، و ليستغفر بحمد ربه بالعشي والإبكار] مجموع الفتاوى [18/295]
فعلى أبناء الجيل المسلم أن يتواصوا بالصبر والمصابرة والمرابطة ، وأن لا يزحزحهم عن هدفهم بهرج المفارق، ولا قلة المرافق، وأن يحذروا كل الحذر من التعجل في طلب النصر ، والتسرع في قطف الثمرة فليس بشرط أن نرى النصر بأعيننا ولكن لنغرس في نفوسنا العمل لنيله وطلبه ، وقد قال الله لرسوله-عليه الصلاة والسلام- [ وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك] الرعد [40] فالنصر لا يأتي مباشرة إلا إذا سبقته عدة مراحل كانت معينة على تحصيله ، وبمجموع هذه المراحل تتكون عندنا محصلة النصر.
لكن علينا أن نربي أبناءنا وأحفادنا لهذا الأمر، ليواصلوا المسار بعدنا،فما نحن إلا معالم يهدي أولها لآخرها:
قد هدانا السبيل من سبقونا وعلينا هداية الآتينا
فالمتوجب أن لا نستبق الخطى والمراحل، وأن نفقه لكل مرحلة فقهها الواقعي وخطتها المنهجية ، وأن نعي واجب الوقت المخصص لها ، وقد قال الله تعالى: [ وأتوا البيوت من أبوابها] البقرة [189] فإذا كان ـ سبحانه ـ قد أمرنا إذا دخلنا البيوت أن نأتيها من أبوابها المعروفة فلا نتسلقها ولا نتسورهافهكذا أمور الحياة جميعًا، وخاصة الوسائل المعينة للارتقاء بهذه الأمة وسيادتها، فإنها لا تأتي خبط عشواء، وإنما بقوة إيمان، وحسن تدبير ، وقوة سياسة.
فليس يزيح الكفر رمْيٌ مسدد إذا هو لم يؤنس برأي مسدد
-إنها- يا صاحبي- أمور لا تحتمل التأخير فكفانا والله تأخرًا وتسويفًا عن فعل الصالحات ، والمهم أن نعمل لخدمة هذا الدين ونصرته ، ولا ضير أن يكون عملنا في بدايته بطيئًا فنحن نريد بطئًا ولكن أكيد المفعول .
[10] [ولا تيأسوا من روح الله إنَّه لا ييأس من روح الله إلا القوم الخاسرون] :
وعلينا كذلك ألا نقنط ولا نيأس فإنَّ اليأس من صفة المستعجلين في طلب النصر، وأعظم من ذلك أنه من صفات الكفار كما قال ـ جلَّ جلاله ـ [إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون] يوسف [87]
و نصر الله لابد أن يأتي وليس على الله بصعب أن ينزل الظفر والفوز على المسلمين ، ولكن لله حكم من تأخير النصر، ومن أعظمها أن يريد أن يبتلي عباده ليرى قوة إيمانهم ، وشدة ثباتهم على ذلك فإذا حصل هذا فإنَّ نصر الله آت [ ولويشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض] محمد [4]
ويرحم الله ابن القيم حين قال:
والله ناصر دينه وكتابه ورسوله في سائر الأزمان
لكن بمحنة دينه من دينه ذا حكمه مذ كانت الفئتان
والمهم أن لا نيأس ، فاليأس لا يصنع شيئًا ، وهو من صفات العاجزين البائسين ، وكيف نريد من نفس يائسة قانطة أن تنصر دين الله وهي منهزمة في داخلها، ومتحطمة بإرادتها، فلن يكون النصر حينئذ ، فلنرمي بأغلال اليأس من فوق قلوبنا ولنقرأ [فإنَّ مع العسر يسرًا* إنَّ مع العسر يسرًا] الشرح [5]
والليل إن تشتد ظلمته فإنَّ الفجر لاح
إن كان ليلك أسودًا فالليل في عيني صباح
لو كان فجرك غائبًا فالفجر في الآفاق لاح
تلك عشرة كاملة أرى إن تحققت في واقع المسلمين بصدق وعزم، فإنَّهم سيجنون بعدها العزَّ والفلاح والسؤدد ، في دينهم ودنياهم ـ بعون الله ـ
وأما من كان ضعيف الهمة ، ساقط العزيمة، ولم يهتم إلا بدنياه فإنَّ همته لا تدله إلا على أراذل الأمور ، وضعيف التجارب ، ولسانه:
دع المقادير تجري في أعنَّتها ولا تبيتن إلا خالي البال
ويعجبني كلام ذكره الأستاذ: سيد قطب- رحمه الله- حين قال: [إنَّ الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا، ولكنه يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير...فماله والنوم؟ وماله والراحة؟ وماله والفراش الدافئ ، والعيش الهادئ والمنام المريح؟!]
ولقد عرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حقيقة الأمر وقدَّره ، فقال لخديجة ـ رضي الله عنها ـ وهي تدعوه أن يطمئن وينام: [مضى عهد النوم يا خديجة] أجل مضى عهد النوم ، وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق!] في ظلال القرآن [6/3744] .
وهكذا والله نريدها من كل رجل مسلم أن يقول [ لقد مضى عهد النوم وبدأ عهد العمل الشاق لنصرة هذا الدين]