وقد أحسن الإمام ابن القيم حين قال: [ لمَّا كثر المدعون للمحبة طولبوا بالإقامة البينة على صحَّة الدعوى ، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخليُّ حرقة الشجي ، فتنوع المدَّعون في الشهود ، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة [ قل إن كنتم تحبُّون الله فاتبعوني يحببكم الله ] آل عمران [31] فتأخر الخلق كلَّهم ، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البيِّنة بتزكية [ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم] المائدة [54] ] ا.هـ مدارج السالكين [3/9] ط/ الفقي
وإذا تولينا عن نصرة ركائب الإيمان وفرسان التجديد، فإنَّ الله سيستبدل بنا أمة غيرنا تكون هي المهيئة لذلك النصر وتذوق طعم العزة ومجد الفتوحات [وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثمَّ لا يكونوا أمثالكم] محمد [38]
والله ـ سبحانه ـ يوضحها ـ حقيقة ناصعة حيث يقول [ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم] ثمَّ ذكر أوصافهم [ يحبهم ويحبونه ] [أذلة على المؤمنين] [أعزة على الكافرين] [يجاهدون في سبيل الله ] [ ولا يخافون لومة لائم ] ثمَّ بين ـ عزَّ وجل ـ أنه [ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم] المائدة [54]
أي ورب إنها سنَّة في الأرض كونية لا تتبدل ولا تتغير، وقد قيل:
لئن لم يكن في الأرض أوس وخزرج فلله أوس قادمون وخزرج
لكن علينا أن لا نمني أنفسنا بالنصر والتغني بأمجاده ، قبل أن يأتينا وأن ننطلق في هذا الوجود بكل همَّة عليَّة، وعزمة عمرية ، لنشر دين الله والتصدي للمردة المحتلين وليكون عملنا أكثر من كلامنا وشكاوينا ، فوالله إننا في هذه الأيام نتوق إلى ألسن بكم وأيد وضاح ، ونحن في وقت معامع وصولات ، وقعقعات وجولات ، ولسنا في وقت الآهات والحسرات ، فلنخرج من عزلتنا وانكفاءنا على أنفسنا إلى مواطن العز والإباء ، ومصانع الرجال، فالعزلة في وقتنا هذا ما هي إلا عمل البطالين أو الجبناء ، وقد قيل: إيقاد شمعة خير من لعن الظلام.
وقد روى التابعي الفقيه الشعبي أن رجالًا خرجوا من الكوفة ونزلوا قريبًا يتعبدون ، فبلغ ذلك عبدالله بن مسعود ، فأتاهم ففرحوا بمجيئه إليهم ، فقال لهم [ماحملكم على ما صنعتم ؟ قالوا: [أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد ، فقال عبدالله: لو أنَّ الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان سيقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا] الزهد لابن المبارك/ صـ390
فرحم الله الفقيه ابن مسعود، ونحن نقول: لو أنَّ الناس انكفؤوا على عزلتهم،أو مشاريعهم الخاصة من زواج ووظيفة وعبادة، فمن سيقاتل العدو وينازل الطغاة المعتدين ، وخاصة أنَّ عندهم الشيء الكبير من المخططات الخبيثة؛ للاستيلاء على أكبر قدر يمكن على المنطقة الإسلامية ،فإن علموا منَّا ضعفًا وتقوقعًا على أنفسنا فإَّن العدو لن يرحمنا بل سيلتهمنا لقمة سائغة ولات حين مناص.
آن الأوان لأن نخاطر بالدم من لم يخاطر بالدما لم يسلم
فمزيدًا من التفكير الجاد العملي العميق، وإجالة النظر في كتب التاريخ ، والاستفادة من تجارب الماضين واللاحقين، وقد قيل رحلة العظيم تبدأ بفكرة ، ونحن في وقت صعب ، ومنحنى خطير ، وأمة الإسلام تلتهب حريقًا، وتضطرم نارًا، فإن كنا من أبناءها الصادقين فلنبذل لها الكثير، ولنجاهد بأيدينا وأموالنا وألسنتنا وتفكيرنا وبكل شيء نقدر عليه ، فإنَّه:
ذروة الدين جهاد في الصميم فلنجاهد أو لتلفظنا الحياة
ورحم الله ابن القيم حين كتب: [ وجزى الله من أعان على الإسلام ولو بشطر كلمة خيرًا] أعلام الموقعين [4/216ـ217] فأدرك يا ابن الإسلام أمتك ، وأسرج حصانك ، وشد السير، وصح في الآفاق صيحة ذلك الداعية العراقي ألا أيُّها الجيل السَّري [ إنَّ العالم الإسلامي يحترق فمن استطاع أن يطفئ الحريق ولو بدلو من الماء فليفعل] فياأهل السنَّة لبُّوا لبيك اللهم لبيك.
وأخيرًا
[ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون* وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إنَّ الله مع الصابرين] الأنفال [46]
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،،،،
والحمد لله رب العالمين