فهرس الكتاب

الصفحة 7886 من 27345

2-كثرة الخلوة بالنفس والدمعة المباركة: نقرأ في سير أولئك الرجال؛ نجد كثرة خلوتهم بأنفسهم في ظلمة ليل، وسرعان ما تسيل الدموع على الخدود، وهذا أثر السر العجيب:رقابة الله وخشيته. ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: [وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ] رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد ومالك . فهل مرت عليك هذه اللحظة؟ هل شعرت يومًا من الأيام بهذا الموقف؟ هل وقفت ليلة من الليالي وتمثلت هذه الصورة؟ إن الصالحين، وشباب الصحوة، والدعاة من الرجال والنساء؛ بحاجة شديدة لهذه الخلوة؛ لننظر إلى أنفسنا، وفى عملنا، وقولنا، وننظر إلى حقيقة أمرنا وسلامة صدورنا... إننا أيها الأخيار بحاجة ماسة، وملحة لتلك الدمعة الغالية في لحظة خلوة، بتذكر نعمة الله، ثم تذكر عظم الذنب والتقصير في حق الله، فلعل الدمع أن يأتي، ولعل القلب أن يلين، فيترجم ذلك إلى الدمعة الحارة الغالية، التي فقدناها في مثل هذا العصر.

فهذا عمر بن الخطاب: وما أدراك ما عمر؟ اقرأ سيرته؛ ستجد العجب العجاب، وهو من العشرة المبشرين، ومع ذلك:هل اتكل على هذا؟ لا بل كان إمام الخاشعين رضي الله عنه، كان يمر بالآية في ورده، فتخنقه، فيبقى في البيت أيامًا يعاد يحسبونه مريضًا، ومن صفاته رضي الله عنه أنه كان في خديه خطان أسودان من أثر البكاء من خشيته لله، وقرأ يومًا: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [1] {حتى انتهى إلى قوله تعالى:} وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [10] "سورة التكوير " فخر مغشيًا عليه. وكان يأخذ عود نبات، فيقول:'يا ليتني كنت هذا العود، يا ليت أم عمر لم تلد عمر، يا ليتني كنت شجرة تعضد- أي: تقطع-' . رحمك الله يا عمر:

فمن يباري أبا حفص وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيهًا

وفى الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ] رواه الترمذي والنسائي وأحمد .

وهذا أحمد بن حنبل:وهو صاحب الورع والخشية كان جالسًا يومًا مع تلاميذه يحدثهم، فاقشعر بدنه، وشعر بحلاوة الإيمان، فقام وتأخر على التلاميذ، وذهب أحد التلاميذ؛ ليرى أين ذهب الإمام، فاقترب من باب الغرفة، فسمع الإمام أحمد يتمثل هذين البيتين، ويبكي بكاءً شديدًا:

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب

ذكر الذهبي في السير: أن القاضي حسين حكى عن القفال أستاذه: أنه كان في كثير من الأوقات يقع عليه البكاء حالة الدرس- يعني وهو يلقي الدرس- ثم يرفع رأسه، ويقول:' ما أغفلنا عما يراد بنا!'. فأين نحن من هذا؟ وأين المدرسون، والمربون الذين يربون أبناء المسلمين عن هذه الخشية؟

في قصة تربوية يذكرها بعض علماء التربية: أن شيخًا قال لتلاميذه الصغار: يا أبنائي -هذه القصة رسالة للمدرسين والمدرسات- إذا كان الغد، فلا يأت أحد منكم إلا وقد جاء معه بدجاجة قد ذبحها في مكان لا يراه فيه أحد، فجاء التلاميذ من الغد، وكل منهم قد علق دجاجة في يده إلا غلامًا واحدًا، فسأله الشيخ: يا غلام أين الدجاجة ؟ فقال الغلام- انظروا التربية-: يا شيخ إنك قلت: أن أذبح الدجاجة في مكان لا يراني فيه أحد، وإنني دخلت الحجرة، فوجدت أن أحدًا يراني، فصعدت السطح، فوجدت أن أحدًا يراني، وما طرقت مكانًا إلا وكان ذلك الأحد يراني، فقال الشيخ: من هذا الذي يراك؟ فقال الصغير، ذاك القلب الخاشع لله: إنه الله، إن الله معي في كل مكان يراني. أرأيت التربية! فأين أنت أيها المدرس الفاضل؟ أين أنت أيها الداعية الصادق؟ أين أنت يا أيتها المدرسة الصالحة؟ أين أنتم من تربية أبناء وبنات المسلمين على مثل هذا السر العجيب . إننا نحتاج إلى وقفة مراجعة ونظرة إلى النفس، فإننا نسمع ونقرأ في حياة النبلاء: أنه إذا كان الرجل الصالح لوحده في قريته ومدينته؛ أصلح الله به أهل المدينة .

إذًا فما دهانا وأين أثرنا وأين نتائجنا ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت