وكانوا لا يؤاكلون الحائض ولا يأكلون مما عملت يداها ولا يخالطونها ولا يلامسونها فكان هو صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كله - كما أخرجه مسلم - تشريعا بالإباحة؟
أليست الإباحة من أقسام الحكم الشرعي:
طبقا لتعريف الحكم الشرعي كما عرفه الأصوليون من أهل السنة بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا فإن الإباحة حكم شرعي، وهو على كل حال شيء والحرية شيء آخر، ومن الخطأ الاستدلال به على قيمة الحرية في الإسلام كما وجدنا في مناقشة هذا الموضوع في حلقة الشريعة والحياة بقناة الجزيرة [في 11102003] .
المباح - كما عرفه الآمدي: ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك، فهو إذن تشريع.
وهو - كما عرفه الجويني: ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك من غير اقتضاء ولا زجر ولا حكم عقلي قبل ورود الشرع.
فالإباحة حكم شرعي لم يخالف في ذلك إلا بعض المعتزلة.
والمراد بالاقتضاء الطلب سواء كان طلبا بالإيجاب، أو بالندب، أو بالتحريم أو بالكراهة.
والمراد بالتخيير ما كان تخييرا بين فعل الشيء أو تركه دون ترجيح لأحد الجانبين على الآخر، والذي يترتب على هذا هو الإباحة، فيصير المكلف مخيرا بين الفعل والترك ويسمى الفعل مباحا.
وقد أطلق بعض الأصوليين اسم الحكم التكليفي على الحكم التخييري - كما هو على الحكم الاقتضائي - ويرجع ذلك فيما يرى الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور إلى عدة اعتبارات من بينها: أن المكلف ملزم باعتقاد إباحته، ولأنه يرد بأسلوب الأمر أحيانا كما في نحو قوله تعالى { كلوا واشربوا } ، { إذا حللتم فاصطادوا } ، وربما يرجع الأمر في هذا إلى ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور موسى شاهين لا شين من أن بعض أحكام الإباحة واجبة التناول في أصلها كالأكل والشرب لا يجوز الامتناع عنه بإطلاق، ويرى الكعبي من الأصوليين أن المباح مطلوب، بل واجب، بناء على أنه به يحصل ترك الحرام، وما يحصل به ترك الحرام فهو واجب.
ومن المعتزلة من ينفي أن الإباحة من الأحكام الشرعية - كما نقل عنهم الغزالي في المستصفى - إذ معنى المباح رفع الحرج عن الفعل والترك وذلك ثابت بالعقل قبل السمع، وقد ناقشهم الغزالي بما يثبت كون الإباحة داخلة في أحكام الشرع باعتبار أو آخر. وموقفنا في هذا المقال يركن إلى عدم الدخول في هذا الخلاف، لأن كلامنا في أن السنة كلها تشريع يتجه إلى ما جاء بالسنة لا إلى ما لم يأت بها، وهذا الأخير ما نترك التوسع فيه للأصوليين.
ومن هنا فإنه كما يرى الأستاذ الدكتور موسى شاهين لا شين في بحثه القيم في صميم هذا الموضوع [3] : لا خلاف لنا هنا مع المعتزلة فيما جاء من الإباحة على الأصل المعقول قبل مجيء الشرع، وكلامنا فيما جاء فيه نص أو سنة، فهو مما اجتمع عليه الدليلان العقلي والنقلي معا.
إن الإباحة تعني تكليفا وتشريعا لا بأحد المباحات دون غيره، ولكنه تكليف بالتحرك في دائرته، يقول الإمام الشاطبي: (المباح وإن كان ظاهره الدخول تحت اختيار المكلف لكنه إنما دخل بإدخال الشارع له تحت اختياره) ، أي إنه إنما كان مباحا بحكم الشارع لا بحكم المكلف.
وأليس المباح عندما يتناوله المسلم كما تناوله الرسول صلى الله عليه وسلم بنية الاقتداء به ومحبته ألا يعتبر عندئذ داخلا في حكم التشريع بالندب والاستحباب؟
وأليس المباح الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يظن البعض كالاكتحال وصبغ الشعر وتضفيره أفاد تشريعا بالإباحة لولاه لاجتهد مجتهدون بالتحريم أو الكراهة؟
وأليس تناول المباح موجبا للأجر إذا تناوله المسلم باعتباره مما أباحه الشارع، أو باعتباره مساعدا على البعد عن الحرام؟ إذن فهو تشريع، وهذا مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم بسنده عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور. يصلون كما نصلي. ويصومون كما نصوم. ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: (( أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة. وكل تكبيرة صدقة. وكل تحميدة صدقة. وكل تهليلة صدقة. وأمر بالمعروف صدقة. ونهي عن منكر صدقة. وفي بضع أحدكم صدقة ) )قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) ).
والمباح نفسه ألا يعني التكليف بوجه من الوجوه ؛
فالأكل والشرب واجب في أصله وجملته، يحرم الامتناع عنه مدة تعرض النفس للهلاك، والاختيار إنما هو في المأكول والبدائل والملابسات فيه.