فهرس الكتاب

الصفحة 8006 من 27345

لقد غابت كل هذه الحقائق عن عامة رجال الدعوة المعاصرة، وما زال أكثرهم يظن أنه بالإمكان العيش في مثل هذا الزمان مع صحة الإيمان واستقامة الأديان دون حاجة إلى دولة، أو أن هذا الواقع الذي نعيشه لم يبلغ في انحرافه حد اعتقاد جاهليته، وأنه بالإمكان إصلاح الخلل وتدارك العطل بالدعوة والدعاء والموعظة الحسنة دون إدراك لما آلت إليه أمور العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص، منذ دخول الاستعمار الغربي الذي ما زال المؤثر الرئيس في مجريات شؤونه إلى يومنا هذا ؟!

إن من الأسباب التي تحول دون الوصول إلى تحقيق الهدف ما له ارتباط بعقائد ومفاهيم استقرت منذ القرن الثاني، كالموقف من السلطة وما لها وما عليها، كما قال سفيان الثوري:"تركوا لكم دينكم فاتركوا لهم دنياهم"! وهذه المفاهيم على فرض صحتها ومشروعيتها قد تكون مقبولة بعد قيام الدولة واستقرارها، كما في صدر الإسلام لا بعد سقوطه، أوحال غيابها كما في العصر الحديث بعد زوال الخلافة ،وسقوط الأمة تحت الاستعمار ونفوذه ومخططاته.

ومن الأسباب التي تعيق الدعوة عن تحقيق هدفها فهم الدين ذاته، ومعرفة أبعاده في الحياة السياسية والاجتماعية، فما زال أكثر علماء الدعوة ودعاتها يخلطون بين مفهوم الدين ومفهوم التدين، فهم يدعون في الواقع إلى التدين لا إلى الدين بشموليته، ولهذا صاروا يولون كل اهتمامهم بتربية الأجيال، وتعليمهم أمور دينهم دون وجود هدف أبعد من ذلك يسعون إلى تحقيقه . كما صار أكثرهم يدعو إلى العودة إلى الدين وتنفيذ أحكامه وإقامة شرائعه؛ فلا يجد لدعوته صدى اجتماعيًا كبيرًا، بعد أن أسقطوا الإنسان وحقوقه وحريته من خطابهم ، أو همشوا دوره، إذ لم يعد الإنسان في خطابهم هو الهدف والغاية؛ بل الهدف عندهم هو الدين ذاته، بينما الهدايات القرآنية و التجارب الإنسانية تؤكد أن نجاح أية حركة اجتماعية إصلاحية مرتبط أشد الارتباط بمدى عنايتها بالإنسان نفسه، واهتمامها به وهذا السبب ذاته الذي أدى إلى دخول الناس في دين الله أفواجا، فقد كان النبي رحمة للعالمين كافة، مسلمهم وكافرهم ، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) ، فقد دعاهم وهو في مكة بعد توحيد الله إلى المساواة بين الأغنياء والفقراء، والشرفاء والضعفاء، والسادة والعبيد، وأنهم جميعا في الإنسانية سواء كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، وهذا ما كان الإنسان في حاجته في مجتمع جاهلي قائم على الطبقية والعصبية، وهذا ما أنف منه كبراء مكة، حتى طلبوا منه -صلى الله عليه وسلم- مجلسًا خاصًا بهم يحدثهم فيه، كما دعاهم إلى العدل والقسط، وهو الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، كما قال تعالى: )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (الحديد: من الآية25) ، كما دعاهم إلى تحرير العبيد ومؤاخاتهم ...إلخوكل أحكام الشريعة إنما جاءت من أجل هذا الإنسان، وبما فيه صلاح دنياه وأخراه، غير أن هذه المعاني التي أدت إلى سرعة ظهور الإسلام، وسرعة قبول الأمم له لم تعد من أولويات الدعوة المعاصرة، ولهذا غلب على خطابها الوعظ والإرشاد والتعليم والتثقيف، مما لا يستثير اهتمام العامة، ولا يخاطب نفوسهم البشرية التي تتوّق إلى العيش الكريم في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، ولهذا كان النبي يعد أصحابه ويبشرهم بالنصر والظهور والحياة العزيزة وهو في مكة، ولم تنجح الحركات الاجتماعية الإنسانية في الوصول إلى أهدافها إلا بعد أن جعلت الإنسان وتطلعاته محور اهتمامها. فقد كانت حقوق الإنسان وحكم الشعب الأساس الذي قامت من أجله الثورة الفرنسية الديمقراطية ، وكان الاستقلال والحرية الهدف الذي من أجله قامت الثورة الأمريكية الليبرالية، وكانت الاشتراكية والعدالة الاجتماعية شعار الثورة الروسية الشيوعية، وكان رفع الظلم ونصرة المستضعفين وإنهاء عهد الاستبداد شعار الثورة الإيرانية، ولهذا نجحت كل هذه الثورات الإنسانية في تحريك الشعوب، والوصول إلى إقامة دولها وفق تصوراتها وأهدافها وتطلعاتها؛ بل تجاوزت في أثرها حدودها الإقليمية إلى الدائرة العالمية، حيث صارت نماذج تتطلع شعوب كثيرة إلى تحقيقها، كما في الثورات الاشتراكية التي اكتسحت العالم بعد الثورة الروسية، وحركات التحرر والاستقلال بعد الثورة الأمريكية، والثورات الديمقراطية بعد الثورة الفرنسية...إلخ، بينما لم يحدث شيء من ذلك في العالم الإسلامي، خصوصا بين أهل السنة الذين يمثلون أكثر الأمة مع كثرة جماعاتهم وحركاتهم ودعاتهم ؟!

إن الأسباب التي تعوق الدعوة الإسلامية المعاصرة عن الوصول إلى مرحلة التمكين كثيرة غير أنه يمكن حصرها في:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت