فهرس الكتاب

الصفحة 8007 من 27345

1-العقائد والمفاهيم التي تحول دون العمل من أجل تغيير الواقع كالخشية من المستقبل استدلالًا بأحاديث"لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه"دون فهمها على الوجه الصحيح مما يدفع إلى المحافظة على الواقع؛ بل وترسيخه والدفاع عنه خشية من المستقبل، حتى صار الشعار هو ما يعبر عنه العامة، وكثير من أهل العلم بقولهم"الله لا يغير علينا"، ومن تلك المفاهيم ربط تحقيق الإصلاح بظهور (المهدي) وانتظار خلافة على منهاج النبوة، استدلالًا بأحاديث المهدي والفتن التي حددت سلفا ما الذي سيحصل مستقبلًا ، وما علينا إلا الانتظار، بينما استطاع الشيعة (الجعفرية) -الذي يقوم مذهبهم أصلا على هذه النظرية- أن يتجاوزوا هذه الإشكالية بعد أن انتظروا (المهدي) ألف سنة، وطال عليهم الأمد وأن يقيموا دولتهم ومشروعهم الإصلاحي ليصبح يوم الشعب الإيراني خيرًا من أمسه، ومازال يتطلع إلى مستقبل أفضل من يومه، بينما ابتلي أهل السنة بآثار هذه المفاهيم، والعقائد التي تحمل في طياتها بذور فناء أي حضارة إنسانية تؤمن بها، وتحول دون تقدم أي أمة ومجتمع يتقبلها. ومن تلك العقائد التي تحول دون حدوث الإصلاح الموقف من السلطة وما لها وما عليها، هذا الموقف الذي لم يعرفه الصحابة -رضي الله عنهم- في صدر الإسلام، كما تؤكده مواقف طلحة ، والزبير، وعائشة، وابن الزبير، والحسين ...إلخ، وقد أدى استقرار مثل هذه العقائد عند أهل السنة جميعا -أهل الحديث ومتكلميهم من الأشعرية على حد سواء- إلى شيوع ورسوخ ظاهرة الاستبداد السياسي في العالم الإسلامي ثلاثة عشر قرنا من تاريخ الإسلام ؟! بل لقد تم استصحاب هذه العقيدة حتى في ظل سيطرة الاستعمار الأجنبي و في عصر دويلات الطوائف التي صنعها العدو الصليبي على عينه، لتصبح هذه العقيدة حجر عثرة، وعقبة كؤود تحول دون تغيير الواقع وإصلاحه، حيث تم توظيف الدين ذاته في خدمة الاستعمار من جهة، والاستبداد من جهة أخرى .

2-العقلية السطحية الاختزالية التي ابتلي بها أكثر العلماء والدعاة، كتصورهم إمكانية تحقق الإصلاح دون السعي إلى تغيير هذا الواقع وفق سنن المدافعة والمغالبة التي لا يحصل التمكين إلا بها ومن خلالها، كما هي السنن الإلهية الاجتماعية في حصول التغيير ، ولهذا لم يّمكن الله -عز وجل- لنبي ولا لغيره إلا وفق هذه السنن ،وهو معنى حديث القوم الذين استهموا على السفينة، فأراد من بأسفلها خرقها ليشربوا، فإن تركوهم هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا؛ ولهذا أمر النبي بالأخذ على يد الظالم وأطره على الحق أطرا، لما قد يجره ظلمه من هلاك الجميع ، وكتصور أن الصبر على الظلم خير من مقاومته، استشهادًا بحوادث تاريخية جزئية دون إدراك خطورة الظلم ذاته، وأن ما يترتب عليه من نتائج أشد على المدى البعيد من الآثار السلبية التي تنتج عن مقاومته. ومن ينظر في تاريخ الأمم يجد ذلك جليًا واضحًا، وكل الأمم اليوم التي تنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية، وحماية حقوق الإنسان ؛ لم يتحقق لها ذلك إلا بعد الثورة على الظلم ومقاومته، ورفضها له. وعلى العكس من ذلك حال الشعوب التي لم تتصد له، إذ ما تزال ترسف في أغلال العبودية للأنظمة الاستبدادية، ولا يمكن للشعوب المستعبدة أن تحقق نهضة أو تحمل رسالة، ولهذا أنزل الله هذا الدين على بني إسماعيل خاصة؛ لكونهم لم يعرفوا الخضوع للملوك من قبل، بل ظلت مكة -أم القرى- مدة ألف عام قبل الإسلام تدار شؤونها دون وجود سلطة، ولهذا أقام أهلها دار الندوة للشورى وإدارة شؤونها بصورة جماعية، وكذا كان حال الطائف ،وحال المدينة والحجاز عامة، فكانوا أقدر الأمم على حمل رسالة الإسلام للناس جميعا، وهو ما عبر عنه (ربعي بن عامر) بقوله:"إن الله أخرجنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"، وهذا ما يستفاد من قصة موسى مع فرعون وإصراره على تحرير بني إسرائيل من العبودية، كما في قوله تعالى على لسانه: )وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ) (الشعراء:22) ، فلا يمكن تحقيق نهضة إصلاحية قبل تحرير الشعوب من الظلم والاستبداد.

3-الخشية من تغيير الواقع بالمدافعة والمغالبة بدعوى الخشية من وقوع الفتن، والاستدلال بفشل بعض الحركات الثورية على عدم صحة هذا الأسلوب في تغيير الواقع ، دون إدراك السنة الاجتماعية التي تؤكد أنه لم تنجح حركة تغييريه إصلاحية بغير هذا الطريق، وليس كل حركة تغييريه نجحت به، بل إن الثورة الفرنسية سبقتها عدة ثورات كلها فشلت، غير أنها أخيرًا نجحت وكذا الثورة الأمريكية، والثورة الروسية...إلخ، وقد نجح العباسيون بعد أن فشل العلويون في ثوراتهم ضد بني أمية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت