ومن هنا فقد برزت دعوات وعلوم جديدة تحمل طابع المنهج العلمي وهب تخفي من وراءها سموم التلمود وأهدافه في تدمير مقومات الأمم وابتلاعها.
من أبرز هذه الدعوات والمخططات والمذاهب:
أولًا: الدعوة إلى هدم الأديان عن طريق علم الأديان المقارن والقول بأن الأمم بدأت وثنية ثم عرفت التوحيد بعد ذلك.
وهو قول معارض للحقيقة التي جاءت بها الكتب المنزلة والتي تثبتها كل الدلائل التاريخية والكشوف الأثرية، والحقيقة أن البشرية بدأت موحدة وأن آدم أبو البشر كان نبيًا وكان موحِدًا.
ثانيًا: الدعوة إلى هدم الأخلاق عن طريق مذاهب الوجودية والفرويدية وهدم الأسرة عن طريق مذاهب دوركابم وليفي بريل.
وتحاول هذه المذاهب أن تشكك في ثبات القيم الأخلاقية وارتباطها بالإنسان والدعوة إلى أخلاق متطورة تختلف باختلاف البيئات والعصور.
ثالثًا: الدعوة إلى التماس مفهوم واحد للتاريخ: هو التفسير المادي الذي طرحة إنجلز وماركس، وهو مفهوم ناقص؛ لأنه يتجاهل عوامل كثيرة أخرى لها أثرها في توجيه التاريخ.
رابعًا: الدعوة إلى إثارة العصبية والعنصرية وإعلاء الأجناس البيضاء وذلك في محاولة لفرض النفوذ الاستعماري الغربي على الأمم الملونة والقول بوصاية -زائفة- للجنس الأبيض على العالم والبشرية.
خامسًا: محاولة إخراج اللغة العربية من مفهومها الذي تختلف به عن اللغات بوصفها لغة القرآن، وفرض مناهج في علم اللغات للتحكم فيها وتصويرها بأنها لغة قومية فحسب، أي لغة أمة، وإذا كان هذا كقانون لكل لغات العالم فإنه يعجز في إقرار ذلك بالنسبة إلى اللغة العربية؛ لأنها إلى جانب أنها لغة أمة فهي لغة فكر وثقافة وحضارة ودين وأنها تتصل بسبعمائة مليون من المسلمين (بالإضافة إلى أهلها العرب) ، وهدف الحملة على اللغة العربية هو خلق عامية تقضي على لغة القرآن وتمزق الأمة والفكر جميعًا.
سادسًا: الدعوة إلى إحياء الحضارات التي سبقت الإسلام، وإعادة عرض الوثنيات والفلسفات والخرافات والأوهام.
وتلك محاولة ماكرة مضللة ولكنها فاسدة؛ فقد استطاع الإسلام في خلال أربعة عشر قرنًا أن يقيم منهجًا عقليًا وروحيًا وأن ينشئ مزاجًا نفسيًا وذوقًا خالصًا مرتبطًا بالتوحيد والقرآن ومتصلًا بأسباب الإيمان بالله له ضوءه الباهر الذي لا تستطيع هذه الظلمات أن تقهره.
سابعًا: الدعوة إلى ما يسمى الأدب العربي المعاصر، والفكر العربي المعاصر والثقافة العربية المعاصرة، على أن تبدأ هذه الدراسات منذ حملة نابليون وربطها بالإرساليات والنفوذ الأجنبي كأنما هي من معطياته، وهي محاولة ماكرة إلى اجتثاث الفكر عن أصوله والفصل بين حاضر العرب والمسلمين وبين ماضيهم وخلق ثقافة"لقيطة"لا جذور لها، بل إن هناك محاولة مضللة تهدف إلى الحيلولة دون ربط الأدب أو الفكر أو الثقافة بتاريخها القديم وماضيها العريق.
من الحق أن يقال أن اليقظة المعاصرة في الفكر والأدب والثقافة جميعًا بدأت من دائرة القرآن وأن جميع الحركات الوطنية والقومية إنما استمدت قوتها من مصادر الإسلام وأنه لا سبيل إلى بناء أدب حديث أو فكر أو ثقافة منفصلًا عن اللغة العربية والإسلام.
ثامنًا: محاولة الإدعاء بأن منطقة البحر الأبيض المتوسط شهدت حضارة واحدة هي التي بدأها الفراعنة والفينيقيون، ونماها الإغريق والرومان، ثم أتمها الأوربيون المعاصرون (وأن دور العرب في هذه الحضارة كان دورًا ثانويًا) .
والحقيقة أن هناك حضارتان لكل منهما طابعه المميز هما: حضارة التوحيد وحضارة الوثنية.
وأن الإسلام هو صانع الحضارة التي اتسمت بهذا المفهوم في مواجهة حضارات بدأت بمفاهيم الوثنية وانتهت بمفاهيم المادية وكانت في مختلف مراحلها معارضة للحق والعدل والرحمة والأخلاق، فكانت تضرب واحدة بعد أخرى وتسقط؛ لأنها تعارض سنن الله في الكون.
تاسعًا: محاولة إلقاء بذور الشبهات حول صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في العصر الحديث والإدعاء بأنها شريعة صحراوية، موقوتة بعصرها وبيئتها، وكل الدلائل العلمية والتاريخية تكذب هذا الإدعاء وأقربها مؤتمرات القانون الدولي 1931، 1937، 1952 وكلها إشارات إلى أن الشريعة الإسلامية شريعة مستقلة لها كيانها الخاص وأنها تحمل منهجًا إنسانيًا لم تصل إليها البشرية بعد وتجري المحاولة التي يفرضها النفوذ الغربي بالدعوة إلى ما يسمى تطوير الشريعة ووضعها موضع الاحتواء من القانون الوضعي، ولقد كان من أعظم المعطيات التي حققتها الأمة العربية أنها اتخذت من التشريع الإسلامي مصدرًا أساسيًا للقانون، ونصت على ذلك في دساتيرها وميثاق الوحدة.