عاشرًا: استطاعت القوى الاستعمارية فرض نظام الاقتصاد الغربي على أغلب أجزاء العالم الإسلامي، وهو نظام قائم على أساس الربا ومعارض أصلًا لمنهج الشريعة الإسلامية، ولقد قامت في الأمة العربية محاولات علمية تؤيدها الجهات الرسمية إلى بحث إقامة مصرف إسلامي علمي على غير أساس الربا والعمل على وضع نظام تحرير المسلمين من قيود النظام الاقتصادي الوافد.
حادي عشر: كان من أخطر محاولات النفوذ الاستعماري إيجاد تضارب بين العروبة والإسلام ومحاولة إقامة مفهوم العروبة على أساس النظريات الوافدة والقوميات الأوربية، ولقد تنبه المفكرون العرب والمسلمون إلى هذا التحدي الخطير وكشفوا عن الرابطة العميقة بين العروبة والإسلام، وأشاروا إلى أن الإسلام هو الذي شكل مفهوم العروبة الحق، وأن العرب قبل الإسلام كانوا يؤمنون بالقبلية وأن الإسلام هو الذي شكلهم كأمة ودفعهم إلى الآفاق وكتب لهم أعظم صفحات تاريخهم.
والعروبة ليست عنصرية؛ وإنما هي قيمة ذاتية في مواجهة الخطر الصهيوني، ولكنها مفتوحة بالثقافة والفكر والعقيدة على العالم الإسلامي كله وملتقية معه.
ثاني عشر: تحريف الحقائق بالمبالغة أو الانتقاص كالإدعاء بأن المسلمين لا يتجاوزون الآن 500 مليون، بينما تقرر الإحصائيات المتواضعة أنهم يزيدون على سبعمائة مليون، وقد يصلون إلى ألف مليون، وكما نجد في كتب التاريخ من محاولات لتصوير البلاد العربية بصورة مصغرة أو مهينة أو إثارة الشبهات حول مقدراتها وثرواتها، أو الإدعاء بأنها منقسمة إلى مذاهب ونِحَل تتعارض أو تختلف أو تحول دون قيام وحدة فكر عامة، بينما الحقيقة غير ذلك؛ وأن الخلافات المذهبية الإسلامية هي خلافات في الفروع، أما القيم الأساسية فإنها واحدة بين جميع المسلمين.
ومن هنا فإن علينا أن ننظر في الشبهات المطروحة في أفق الفكر الإسلامي.
في مجال اللغة العربية:
كذلك جرت المحاولات حول اللغة العربية وإثارة الشبهات حول مكانها ودورها الحقيقي في مجال الفكر الإسلامي وكانت المحاولة تعمل على مقارنة اللغة العربية باللغة اللاتينية، وتقول:
إنه ما دامت اللاتينية قد ماتت ودخلت المتحف فلماذا لا تموت اللغة العربية وتتفرع عنها لغات إقليمية. والحق أن وجه المقارنة غير صحيح وغير صادق؛ فقد انتهت اللغة اللاتينية وتحولت لهجاتها إلى لغات، وليس كذلك ما يحدث بالنسبة للغة العربية التي ما زال القرآن يظاهرها ويجعلها ما كتبت منذ أربعة عشر قرنًا مقروءًا إلى اليوم، بينما لم يحدث ذلك مطلقًا لأي لغة من اللغات الحية، التي تتغير كل ثلاثة قرون، فامرؤ القيس السابق للإسلام نقرأه نحن الآن ونفهمه بعد أكثر من 1500 سنة، بينما شكسبير لا يفهمه الإنجليز وقد مضى عليه ثلاثمائة عام تقريبًا، وهذه الظاهرة في اللغة العربية تجعلها لا تخضع لعلم اللغات الذي يحاول أن يحكم على كل اللغات بظواهر عامة مشتركة. ومن تميز اللغة العربية أيضًا أنها ليست لغة أمة كما يحدث للغات جميعًا؛ ولكنها إلى ذلك لغة فكر وثقافة وعقيدة لسبعمائة مليون مسلم، العرب بينهم مائة مليون على الأكثر، ومن هنا تنكشف فوارق كثيرة بين اللغة العربية لغة القرآن وبين اللغات القديمة كاللاتينية واللغات العامة.
وقد كانت اللغة العربية بطبيعة تركيبها وتميزها بالقدرة على الاشتقاق والتوالد عاملًا هامًا في مكانتها، وقد وصفها أرنست رينان بأنها خلافًا لكل اللغات ظهرت فجأة في غاية الكمال، غنية أي غنى بحيث لم يدخل عليها حتى يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة وأنها ظهرت منذ أول أمرها تامة مستحكمة.
ولقد مضى الإسلام يشق طريقه ومضت معه اللغة العربية، وكان حقًا عليها أن تصل إلى كل مكان وصل إليه، ولكن الاستعمار استطاع منذ أكثر من قرنين أن يوقف نموها ويحول بينهما وبين الحركة، وخاصة في ماليزيا وإندونيسيا وشرق أفريقيا وغربها، وإعلاء شأن اللغات الأجنبية واللغات الإقليمية، ولكنها سوف تستطيع بعد أن تتحرر الأمم من نفوذه الثقافي أن تعاود توسعها فتصل إلى كل مكان فيه مسلم، ليس بوصفها لغة فكر وعبادة فحسب، ولكن على أنها لغة حديث وكتابة وتعامل بإذن الله.
ومن خلال هذا الفهم الصحيح لوضعية اللغة العربية بين اللغات يمكننا أن نواجه كل ما يقال عن تطوير اللغة أو تمصير اللغة أو إعلاء شأن العاميات والإدعاء بأنها لغة خاصة ملك لأصحابها ونفهم أنها كلها محاولات تستهدف:
أولًا: عزل العرب عن الوحدة الكاملة بينهم.
ثانيًا: عزل المسلمين عن العرب.
ثالثًا: عزل المسلمين والعرب عن مستوى البيان في القرآن الكريم.