لكن"الدولة الحديثة"، التي قامت في المجتمعات الإسلامية عبر القرنين الماضيين، والتي جاءت إلى بلادنا من نمط"الدولة القومية"الأوربية، منذ عهد محمد علي باشا الكبير { 1184 - 1265هـ1770-1849م} قد مثلت نموذج الدولة الشمولية، متعاظمة النفوذ والسلطات، فمدت استبدادها - عندما استبدت - الى مختلف ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الامر الذي قلب المعادلة، فحل"تعظيم الدولة"محل"تحجيمها"، الأمر الذي أدى الى"تحجيم الأمة"بدلًا من من"تعظيمها"فحدث الخلل في العلاقة بين"الدولة"و"الأمة"، وتراجعت"الأمة"ومذاهب علمائها وسلطات أعلامها، وافترست"الدولة"أغلب حريات الإنسان !... ولقد كانت معركة دولة محمد علي باشا، في العقود الأولى من القرن التاسع عشر الميلادي ضد عمر مكرم { 1168-1237هـ 1755-1822م} ومن ورائه الأزهر ومؤسسات المجتمع الأهلي، التجسيد لهذا التحول والانقلاب في هذا الميدان ... وساعد على استحواذ"الدولة"على ذلك مخاطر الغزو الاستعماري الغربي الحديث، التي استدعت تعظيم سلطان"الدولة"لأنها الأقدر على حراسة الأمن الوطني والقومي والحضاري من ثغرات الاختراق الاستعماري لأوطان عالم الاسلام ...
لذلك، كان من واجبات حركة الإحياء الإسلامي - الحديثة والمعاصرة - إقامة التوازن بين"الامة"و"الدولة"، بجعل الشورى الاسلامية منهاج الحياة لمختلف الميادين، وبلورة إرادة الامة وسلطاتها في " المؤسسات القادرة على تدبير امور المجتمعات التي تعقدت شئونها على نحو لا تجدي معه شورى الأفراد ... وعلى النحوالذي يجعل الشورى شاملة لمؤسسات"الدولة"و " الأمة"جميعًا، فتكون حراسة الأمن الوطني والقومي والحضاري"بالشورى"، وليس"بالاستبداد"قل هذا عن الشورى الاسلامية، في"الفكر"... و"التطبيق"... و"التأريخ"."
وإذا كانت هذه هي"الشورى الإسلامية"... الفريضة، التي لابد من تحويلها الى فلسفة حياة للإجتماع والنظام الإسلامي ... فإن هناك قضية برزت من خلال الاحتكاك الحضاري بين الإسلام وامته وبين الفكر الغربي وتجاربه في العصر الحديث ... وهي مشكلة موقف الشورى الاسلامية من الديمقراطية الغربية ... التي تبنتها أحزاب ومدارس فكرية واجتماعية في العديد من البلاد الاسلامية ... وهل بينهما - الشورى ... والديمقراطية - تطابق كامل؟ أم تناقض مطلق؟ أم اوجه للشبه وأوجه للافتراق؟...
وبادئ ذي بدء، فلابد من التأكيد على حق الأمم والشعوب والحضارات في التمايز والاختلاف في النماذج والخيارات السياسية والثقافية والحضارية ... فهذا هو منطق"الليبرالية"في الديمقراطية الغربية ... ومنطق"التعددية"التي هي في الاسلام سنة كونية، وقانون حاكم وسائد في كل عوالم المخلوقات ... فلا حرج ولا ضير إن اختلفت الشورى عن الديمقراطية، او تمايزت الديمقراطية عن الشورى ... المهم هو وفاء كل نموذج بتحقيق المقاصد الانسانية التي تحددها رؤية الانسان للكون في كل حضارة من الحضارات ... وجدارة كل نموذج بتفجير طاقات الخلق والإبداع في هذا الانسان ...
وبعد الاتفاق على هذه"الحقيقة - الأولية"، لابد من التنبيه - في الحديث عن علاقة الشورى الاسلامية بالديمقراطية الغربية - ضرورة التمييز - في هذه الديمقراطية - بين"الفلسفة"وبين"الآليات ... والخبرات ... والمؤسسات"...
فالديمقراطية، نظام سياسي - اجتماعي، غربي النشأة ... عرفته الحضارة الغربية في حقبتها اليونانية القديمة، وطورته نهضتها الحديثة والمعاصرة ... وهو يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين في حقوق المواطنة وواجباتها، وعلى مشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة، وذلك استنادًا الى المبدا القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية ... فالسلطة، في النظام الديمقراطي، هي للشعب، بواسطة الشعب، لتحقيق سيادة الشعب ومقاصده ومصالحه...
هذا عن فلسفة الديمقراطية الغربية ...
أما"النظام النيابي"، الذي ينوب فيه نواب الأمة المنتخبون عن جمهور الأمة، للقيام بمهام سلطات التشريع، والرقابة والمحاسبة لسلطات التنفيذ في"الدولة"فهو من"آليات"الديمقراطية، وتراث مؤسساتها، وبه توسلت تجاربها عندما تعذرت"الديمقراطية المباشرة"، التي تمارس فيها الامة كلها، وبشكل مباشر، هذه المهام والسلطات ... توسلت الديمقراطية الحديثة بهذه"الآلية"الى تحقيق مقاصدها وفلسفاتها ...
وإذا كان البعض يضع الشورى الاسلامية في مقابلة الديمقراطية -سواء بالتسوية التامة بينهما ... أو بالتناقص الكامل بينهما - فإن هذا الموقف ليس بالصحيح إسلاميًا ... فليس هناك تطابق بينهما باطلاق ... ولا تناقص بينهما بإطلاق ... وإنما هناك تمايز بين الشورى وبين الديمقراطية، يكشف مساحة الاتفاق ومساحة الاختلاف بينهما.