فهرس الكتاب

الصفحة 8241 من 27345

المساجد لم تكن أماكن عبادة فقط في ذلك الوقت بل كانت أماكن تجمع للتشاور في المسائل العامة التي تعني الأمة وأماكن لتجييش الجيوش وأماكن للإعلان عن أمور هامة وللتباحث في المسائل العلمية، فلم يحرم أصحاب الرأي الآخر من دخولها فهي وسائل الإعلام والبرلمانات (مجالس الشورى) ومنتديات الحوار الهادف والجاد، ومن حق المعارضة ألا تحرم من هذه الأماكن، وإذا حرمت منها وأغلقت أمامها هذه الأبواب فستكون لهم حجة لاستخدام أبواب ممنوعة وعاقبتها وخيمة على الأمة الإسلامية لما يمكن أن يلحق بالأمة عن تفكك وانقسام، ولو حفظ أئمة الأمويين والعباسين هذه الحقوق للمسلمين لما تعرض أئمة مثل الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية وغيرهم للسجن والضرب والنفي لمخالفتهم في الرأي مع أنهم كانوا على الحق، وهذا ما بعد ذلك.

أنهم لا يقاتلون ولا يسجنون ما داموا منضبطين بضوابط الخلاف يناقشون بالدليل والحجة، ويستوضحون ويوضحون آراءهم، فليس الصواب دائمًا مع الخليفة أو الأمير فهم في اعتقاد أهل السنة ليسوا معصومين، فكيف يتضح الصواب والخطأ إذا لم يفتح المجال للحوار والنقاش والاستدلال والتناظر، ومعروف أن هذا كان سائدًا في عهد الصحابة وفي عهد الخلفاء الراشدين، ورغم تناقصه في الفترة التي سمها الرسول صلى الله عليه وسلم (ملكًا عاضًا) إلا أن التاريخ لم يخل من شواهد مشرقة في هذا الجانب، فكان الشافعي رحمه الله يناظر العلماء في المسائل العلمية، وكان الأوزاعي وابن عساكر وغيرهم يناصحون الأمراء أمام الناس، وما كان الخلفاء يقتلون أو يسجنون أو ينفون كل من يخالفهم أو يناصحهم، ولكن الأحرى بالأمة أن تضبط هذا الأمر حتى لا يبقى عرضة لهوى الحاكم فإن لم يتق الله فالويل لكل من تسول له نفسه معارضته أو مناصحته أمام الناس، فيعدها خروجًا عن طاعته أو دعوة إلى فتنة لشق الصف فيطبق عليهم عقوبة ما ألصق بهم من تهم، وأحيانًا يصدر الحكم غيابيًا مع أن المتهم موجود ويمكن استدعاؤه واستجوابه في مجلس القضاء.

وهناك مسألة التحكيم المشهورة!!! فما هي؟... وما الفائدة التي تستفاد منها؟

في الفتنة التي وقعت بين الإمامين علي ومعاوية رضي الله عنهما، اتفق الفريقان على التحكيم، ولو قبل الطرفان بنتيجة التحكيم مهما كانت لكان هذا سببًا لتجنب الفتنة.

وهنا عاد الخوارج ليزيدوا المشكلة ويؤججوا نارها ويرفضوا التحكيم بحجة قالوها:"لا حكم إلا لله"، وهي مقولة حق في حد ذاتها، لكنهم استدلوا بها للتضليل وليرفضوا بذلك تحكيم البشر في النزاع، وهو خلاف ما قرره القرآن في أكثر من موضع، منها التحكيم بين الزوجين إن وقع بينهما شقاق، فالحكم لله ولكن من الذي يستنبط هذه الأحكام وينزلها باجتهاده على الحوادث؟ أليسوا هم الفقهاء؟ ليحلوا بها الخلاف ويحسموا بها القرارات! أليسوا هم أهل الحل والعقد؟ ولهذا رد عليهم علي رضي الله عنه بقولته المشهورة:"كلمة حق أريد بها باطل".

فهو يرد عليهم حجتهم ويدحضها ولم يستخدم سلطته في قمعهم، ليس جبنًا ولا ضعفًا ولكنها عين القوة التي تعلمها من بيت النبوة على منهاج النبوة:"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"ولا يعاقب أحدا بذنب لم يقترفه، فما داموا لم يحملوا السلاح، ولم يدعوا الناس لشق الصف، فلا يقاتلهم ما داموا ملتزمين بمنهج الحوار فلا سجن ولا نفي.

ولكن عندما خرجوا عن الضوابط الشرعية قاتلهم، وهذا عندما خرجوا عن القانون وخالفوه وليس عندما ظن أنهم سيخرجون عن القانون ويخالفوه، و إلا لا يعتبر كل من ناصح أو خالف الأمير صاحب فتنة لأن نصيحته أو مخالفته يمكن أن تؤدي يومًا ما - بقصد أو بدون قصد - إلى فتنة!!! فسبحان الله الذي قال: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ...".} "

وحسب قاعدة سد الذرائع في الفقه الإسلامي، هل نمنع كل الآراء المخالفة، ونكمم الأفواه بحجة تجنب الفتنة المحتمل وقوعها ظنًا؟؟ أم نحاور أهل الآراء المخالفة لنفيدهم أو نستفيد منهم ولا نعاقب إلا من يرتكب ذنبًا، فيحمل علينا السلاح أو يسعى حقيقة بشكل ملموس لشق الصف والإفساد، ونسد بذلك ذريعة تكميم الأفواه والاستبداد، بحيث نضمن مجالًا من الحرية للناصحين بصدق وللمخالفين بحق، نشجعهم على ذلك كما فعل عمر اهتداء منه وتأسيًا بمنهج النبوة الذي تشربه من ينبوعه الصافي!!!

وعندما أراد معاوية رضي الله عنه استخلاف ابنه يزيد من بعده تصدى له فقهاء الصحابة ومنهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير فردوا عليه:"أتريد أن تجعلها هرقلية؟ ولن نبايع إلا أن تترك الأمر للمسلمين، أو تفعل كما فعل أبو بكر بترشيح رجل كفى ليس من أهله وولده، أو كما فعل عمر بترشيح نفر من الصفوة كلهم أكفاء وتركهم يختارون واحدا من بينهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت