أما أن نتخذ من هذه الخلافات الجزئية الفرعية التي لا تؤثر سببًا للتفرق والخصومة والتنافر, وأن ينشغل بعضنا ببعض , فهذا ليس من الحكمة التي أمر الله تعالى بها.هل من الحكمة أن ينشغل المؤمنون والدعاة والصالحون _ مثلًا _ بالخلاف حول سنة من السنن, أو حول مسألة فقهية , ويتركوا أمرا هم يجمعون على أنه باطل وضلال ؟ ! هناك أشياء كثيرة يتفق أهل السنة والجماعة على أنها: منكرات وضلالات , بل منها ما يتفقون على أنها كفر بالله العظيم .. فلماذا لا يكون هناك تعاون في محاربة هذه الأشياء التي يتفق الجميع على أنها كفر أو ضلال, أو باطل, أو ما أشبه ذلك ... وهذا لا يعنى أننا نمنع الكلام في الأمور الفرعية , كلًا … لا مانع أن يتكلم الإنسان في قضية فرعية , أو في مسألة خلافية, فيبين الراجح من المرجوح بالأدلة, لكن الشيء الذي أقصده: أن لا يتحول هذا الأمر إلى سبب يوجب عدم التعاون بين المؤمنين في أمور يتفق الجميع على أنها يجب أن تقاوم , وتحارب .
وهناك كلمة يقولها البعض , وهى تحتاج إلى شيء من الإيضاح , فبعض الدعاة يقولون أحيانًا: يجب أن يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه , ونتعاون فيما اتفقنا عليه . وأقول: هذه الكلمة تحتاج إلى إيضاح فلا يجب قبولها, أو ردها بدون أن تحدد: ففي قضايا العقيدة أو الأحكام التي فيها الأدلة واضحة ,ثم يأتي إنسان فيقول فيها برأى من غير اجتهاد فلا يعذر في ذلك . وكذلك التعاون فيما اتفق عليه, فهذا صحيح في إطار أهل السنة والجماعة .
أما مع الطوائف الضالة, فلا, ولابد من وضوح الراية , وتميز المنهج , وليس من المعقول مثلًا: أن أقول: يجب أن نتعاون مع الرافضة فيما اتفقنا معهم فيه, فنتعاون معهم _ مثلا _ في حرب الشيوعية, فهذا غير صحيح, فلابد من وضوح الراية حتى يكون عند الناس تمييز بين الحق والباطل, فداخل إطار أهل السنة والجماعة يمكن أن يتعاون الجميع فيما اتفقوا عليه
الملاحظة الثانية: ملاحظة التلبيس الذي يحدثه أعداء الرسل: لاحظ قول الله جل وعلا: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... [ 112 ] سورة الأنعام, إذن هناك مؤامرة عالمية, و ليست جديدة كما نتصور....قد تكون تطورت الآن, وأخذت شكلا جديدا, وأسلوبا جديدا, وبعدا جديدا, لكنها قديمة, وهى الحرب الإعلامية ضد الإسلام, وحملته, وحملة السنة, والتي تشوه الحق وتلبسه لبوس الباطل، وتلبس الباطل لبوس الحق بتزيين الألفاظ وزخرف العبارات ، وزخرف القول ؛ لذلك يقول القائل:
في زخرف القول تزيين لباطله والحق قد يعتريه سوء تعبير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قىء الزنانير
مدحاوقدحا وما جاوزت وصفهما و الحق قد يعتريه سوء تعبير
فالآية توضح الجهد الذي يبذله أهل الباطل في تزيين باطلهم, وفى تشويه الحق يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... [ 112 ] { سورة الأنعام, ولذلك نجد الحملة الإعلامية العالمية اليوم ضد الإسلام تسمي المسلمين: بالأصوليين مثلًا, أو بالمتشددين, أو المتطرفين .... و غير ذلك من العبارات التي تبثها وكالات الإعلام العالمية, وتتناقلها حتى الإذاعات والصحافة في البلاد الإسلامية على أنها عبارات دارجة ويصبح هؤلاء: أصوليون، ومتشددون، ومتطرفون … إلى غير ذلك من العبارات التي يلبسون بها على الناس الحق بالباطل .مثل آخر: قضية الأدب والشعر وغير ذلك من الوسائل المهمة في كثير من البلاد الإسلامية أصبحت وسائل للهدم والتخريب , و تهييج الغريزة والجنس والإثارة, إضافة ألوان كثيرة من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات ، و أعداد هائلة من الدواوين الشعرية التي تسير في اتجاه زخرفة الباطل وتلبيسه بالحق , وهذا يؤكد أن الكلمة من أخطر ميادين الصراع بين الأنبياء وأعداءهم فكلمة الحق لها وقع كبير , وبالمقابل كلمة الباطل لها تأثير كبير, وأهل الباطل يعملون على زخرفة باطلهم بالعبارات الرنانة, والكلمات المعسولة, و الذين ينخدعون بهذه الأشياء هم من قال الله فيهم:} وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ [ 113 ] سورة الأنعام, إذن لا تروج هذه الأشياء إلا إذا كان هناك خواء روحي وعقلي, فتصبح الشعوب مستعدة لتلقى هذا الزخرف من القول , و لو كان عند الناس وعى ما تأثروا بهذا الباطل .