وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مؤيدًا من الله عز وجل؛ فالداعية بحاجة إلى الأخذ بأسباب النجاح والتوفيق؛ وذلك بتعميق الإيمان بالله عز وجل، والتأصيل العلمي، والإفادة من أهل الفضل والخبرة، ليتحلى بالخبرة العلمية والعملية في معرفة استعدادات المخاطبين، والأسلوب الدعوي المناسب، والحكمة في التعامل مع المخاطبين، والقدرة على تجاوز العقبات الدعوية والمشكلات الاجتماعية، كما عليه أن يسكن قلبه عزيمة صادقة وقوة إرادة، كي يتمكن من بلوغ الهدف من دعوته بعد ذلك.
فالمسئولية الدعوية تقتضي ذلك، لأن الداعية ليس خطيب منبر وإمام محراب فحسب، وإنما هو واحد من أفراد مجتمعه بل قدوته، يمتزج مع المجتمع في المسجد والمدرسة، والمكتب، والحضر والسفر، يشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم، ويحل مشاكلهم، ويطلع منهم على مالا يطلع عليه غيره.
لذا لابد له من ذلك ليتمكن من ضبط سير حياتهم الدينية، وترابطهم الديني والاجتماعي دون عائق.
ولعل هذه الصفات هي المعنى المراد من القوة التي أمر الله بها موسى عليه الصلاة والسلام في أخذه ما أنزله عليه، قال تعالى: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء، فخذها بقوة، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) (3) والتي أمر بها نبيه يحيى عليه الصلاة والسلام بأخذه لكتابه الذي أنزله عليه بقوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) (4) .
فقد فسر العلماء القوة في الآيتين بمعان متعددة، وكلها لا تخرج عن إطار الصفات السالفة الذكر، وجميعها من مقتضيات الأخذ بالكتاب والحكم بما فيه، ولم يفسروها بالقوة المركزية المجردة وإنما بالموضوعية المتكاملة، فقد فسروها: بالعلم، والعقل، والحكمة، والحلم، والصفح، والملاطفة، والصبر، وقوة العزيمة، والجد والنشاط، وقوة الإرادة (5) .
وبتدبر هذه الصفات يظهر أن أهمها قوة العزيمة والإرادة، والاستعداد النفسي لخوض هذه المهمة بهمة عالية، لأنه بدون ذلك يعسر استمرارية باقي الصفات، وبلوغ الهدف المنشود.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسير القوة من قوله تعالى لموسى عليه السلام: (فخذها بقوة قال:(( القوة هنا تمثيل لحالة العزم على العمل في الألواح بمنتهي الجد والحرص دون تأخير ولا تساهل، ولا انقطاع عند المشقة ولا ملل، بحالة القوي الذي لا يستعصى عليه عمل يريده. أهـ ) ) (6)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( لا تصغرن هممكم، فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم ) ) (7)
تعريف الإدارة:
الإدارة؛ مصدر أدار يدير إدارة. تقول العرب: أدرت الشيء أديره إدارة، وأدار الشيء يديره إدارة. يريدون من ذلك التعدي بفعل التدوير للشيء دورانًا ذات اليمين أو ذات الشمال.
ويستعمل الفعل لازمًا أيضًا، فيقال: دار الشيء يدور دورانًا (8) .
ولم يقف العرب في استعمال هذا الفعل عند الدوران الحقيقي بل تجاوزا ذلك إلى استعماله في نقل الشيء من مكان إلى آخر، ومن رجل إلى رجل آخر أيضًا، وقد جاء في القرآن الكريم كذلك. قال الله تعالى: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم) (9)
أي تتعاطون بيعها أخذًا وعطاء، تقابضًا يدًا بيد.
قال الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله: (( معنى الإدارة؛ إما أنهم يتناولونها من يد إلى يد، أو يتبايعونها في كل وقت. أهـ ) ) (10)
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله في معنى الآية أيضًا (( أي يتعاطونها يدًا بيد. فالإدارة التعاطي والتقابض ) ) (11)
فيتضح مما تقدم: أن معنى الإدارة في الآية واضح في النقل لا في الدوران الحقيقي. وكما استعملوا الإدارة في الدوران، ونقل الشيء وتعهده في المحسوسات؛ استعملوه أيضًا في غير المحسوس، قال ابن منظور رحمه الله (( يقال: أدرت فلانًا على الأمر. إذا حاولت إلزامه إياه، وأدرته عن الأمر. إذا طلبت من تركه ) ) (12) والأمر هنا على إطلاقه أعم من كونه ماديًا أو معنويًا؛ كطلب فعل، أو قول، أو معقول، أو ترك ذلك.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في معنى قوله تعالى: (إذ يبيتون ملا يرضي من القول) (13)
قال: (( يديرون الرأي بينهم، لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل) (14)
كما استعملوا هذا الفعل في المعني الشائع في عصرنا الحاضر أيضًا، وهو: إدارة الشؤون سواء أكان ذلك في مؤسسة علمية أم عملية، أو على مستوى الأسرة، قال ابن منظور رحمه الله: (( يقال أيضًا: مداورة الشؤون معالجتها. والمداورة. المعالجة ) ) (15)
وقياسًا على ما سبق؛ يمكن أن يطلق على الداعية الناجح في معالجته لشؤون المخاطبين: ذو إدارة ناجحة. لأنه يتحلى بصفات إيجابية تخوله اتخاذ أسباب النجاح في معالجته لحياة المخاطبين، لذا يمكن تعريفه من هذا الجانب:
(بأنه الذي يملك قوة التأثير في الناس؛ لاستمالتهم إلى تعاليم الإسلام بقناعة ويقين، بصفات وأساليب مخصوصة) .
علمًا أن تعريف الإدارة في العرف الإداري المتخصص على اختلاف أصحابه في تعريفها لا يخرج عن الآتي: