(المعرفة الدقيقة بهدف العمل ومستلزماته، والهيمنة على الأفراد لجعلهم يعملون بكفاءة تحقق هدف المنشأة، أو المؤسسة العلمية أو العملية) .
ومن ذلك يمكن تعريف الإداري الناجح: (بأنه الشخصية المؤثرة في عمال المنشأة تأثيرًا تطوعيًا لتحقيق أهداف المنشأة أو المؤسسة العلمية أو العملية) . (16)
ثم بالنظر في عرف الإدارة المعاصر نجد توافقًا كبيرًا بين صفات الإداري الناجح والداعية الناجح، وكذلك في الأسلوب الإداري المطلوب، والأسلوب الدعوي أيضًا.
أما صفات المدير أو القائد الإداري الناجح التي لا يختلف بها المتخصصون في العلوم الإدارية؛ هي ما يلي: (القدوة الحسنة، الفطنة، القدرة العقلية، العلم الشامل، الخبرة الإدارية) .
وبمقارنة ذلك في تفسير العلماء (للقوة) في أخذ موسى ويحيى عليهما الصلاة السلام لكتاب الله والحكم بين الناس بما فيه، كما تقدم، نجد توافقًا كبيرًا بينهما، بل تفسير القوة عند المفسرين أعم وأشمل.
أما الأسلوب الإداري المناسب لضبط سير العمل في المنشأة فهو: (القيادة المؤثرة، التوجيه، الاتصال المباشر بعمال المنشأة، أخذ الشورى، الرقابة لمنع وقوع الضرر أو دفعه بعد وقوعه، وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، الخطاب المناسب) وبمقارنة هذه الأساليب بالأسلوب الدعوي المناسب السالف الذكر نجد اتفاقًا كبيرًا بينهما أيضًا. (17)
بعد هذا نخلص إلى أن إضافة لفظ (الإدارة) إلى صفات وأساليب الداعية السالفة الذكر إطلاق له أصله اللغوي.
والله أعلم.
الفصل الأول
الخبرة العلمية والعملية في معرفة
استعدادات المدعو قبل التعامل معه
المبحث الأول
الدقة في تقييم الأشخاص والمواقف
يختلف الناس في مدى استعداداتهم الفكرية والعلمية والنفسية، وهذا التفاوت تجب معرفته على الداعية بدقة بالغة كي يتسنى له إعطاء كل ذي حق حقه، واستغلال الطاقات، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، فكلما تكاملت حلقات التصور المطلوبة كان الحكم محكمًا أكثر، والعكس بالعكس.
فإذا قصرت مدارك الداعية عن إدراك ذلك - لقصور علمي، أو بساطة فكرية (18) - انعكست تلك النتائج نفسها إلى سلبيات، من إضاعة للحقوق، وهدر للطاقات، ووضع للشيء في غير موضعه وتلك ثغرة في شخصية الداعية ومسؤوليته فضلًا عن سوء سمعة من أخطأ الداعية في تقييمه وأساء الظن به، لأن المخاطبين يتفاعلون مع تأثيرات الداعية تلقائيًا لفرط الثقة به.
وللوصول إلى التقييم السديد، يجب أن يتوافر في الداعية ما يلي:
1-عمق إيماني يضيء طريق السداد في الحكم.
لأنا لو تأملنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا الدقة المحكمة في الحكم، ووضع الأمور في نصابها ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
2-الأصالة العلمية الشرعية فضلًا عن اللغوية، لأن تصرفات الناس لا تقاس إلا بالمقياس الشرعي الدقيق، وتفسير المواقف التفسير الصحيح بعد معرفة الأسباب والآثار.
3-فطنة، ودقة ملاحظة، أو تمييز بين المواقف.
4-عدم الاقتصار على معرفة موقف واحد أو موقفين، أو قرينة أو قرينتين من الرجل المقيم، بل لابد من تعدد ذلك، بحيث يمكن بذلك تكوين تصور معين منضبط. وذلك يقتضي التريث وعدم العجلة في الحكم.
فمثلًا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم لصحبته في الهجرة من مكة إلى المدينة أبا بكر رضي الله عنه (19) ولم يختر لذلك عمر أو عثمان رضي الله عنهما، أو غيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم!
وذلك يدل على تميز شخصية أبي بكر رضي الله عنه بخصوصية تؤهله لمثل هذا الموقف الخطير لأنه أخطر موقف مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم - في الظاهر - حيث تعرضت فيه حياته للخطر ومن ثم حياة الدعوة أصلًا.
وخص عمر رضي الله عنه قبل هجرته عليه الصلاة والسلام بالهجرة في نفر من الصحابة ليقوم بحمايتهم ويَسُوس أمرهم، إلى أن يصل إلى المدينة (20) ، وذلك لشهرته بالشجاعة، وشدة البأس، مع سداد الرأي رضي الله عنه.
والأولى في الظاهر أن يخص عمر رضي الله عنه لصحبته في هجرته - عليه الصلاة والسلام - لشهرته بالشجاعة وشدة البأس؟
إذًا إنه تقويم النبي عليه الصلاة والسلام السديد المحكم للشخصيات.
ولعله في توفر كمال العقل وأرقى درجات الإيمان وأعلاها منزلة في أبي بكر رضي الله عنه كان سبب ذلك؛ أما الشجاعة فتتوافر في وقتها المناسب، وإن لم يسبق لها شهرة.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبصر المعاين للاستعدادات، المسدد من الله عز وجل.
ثم مع ما تقدم من فضل أبي بكر ثم عمر رضي الله عنهما وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم لهما في أجلّ الأمور أرسلهما في سرية إلى ذات السلاسل.
بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه حيث كان على جانب كبير من السياسة العسكرية (21) ، وذلك فضلًا عن الجانب التربوي في هذه المهمة.