ثم أرسل عمر رضي الله عنه في جيش إلى بلاد الشام تحت إمرة أسامة بن زيد رضي الله عنهما حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عُمْر أسامة يومئذ لا يتجاوز ثمانية عشر عامًا (22) ، إذ كان يعتبر في سن أبناء عمر رضي الله عنه.
ولا يقال: لعل محبة النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة جعلته ينصبه أميرًا على جيش فيهم أمثال عمر رضي الله عنه؟
لا يقال ذلك، لأنه لا دخل للعاطفة في مثل هذا الموطن الحرج، لأنه جيش متوجه إلى بلاد الشام ليقاتل أعتى جيش في الأرض آنذاك، فكيف يفرط رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيش ويفرط أيضًا بمنزلة عمر رضي الله عنه تحت قيادة شاب صغير بمثابة ولده بدافع عاطفي! إن أي إنسان غير معصوم لا يفعل ذلك فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم؟
إن القضية إذًا قضية خبرة وتربية، إذ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شخصية أسامة الأهلية العسكرية في هذا السن المبكرة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تسير في مجالها كي تؤتي ثمارها مستقبلًا بعد تدريبها على الإدارة بصحبة الكبار الأفذاذ.
وبالفعل فقد أرسله أبوبكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وعاد مظفرًا رضي الله عنه (23) .
ولقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمين سره بشأن المنافقين حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (24) والأولى بذلك منه في الظاهر أبوبكر أو عمر رضي الله عنهما وأمثالهما في المنزلة والملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم.
إنه توزيع المسؤوليات المتنوعة على الكفاءات الموهوبة والمتخصصة، بتقويم سديد، ينطلق من بصيرة نافذة بنور الله وتوفيقه، ليكون ذلك التقويم المحكم أسمة لمن بعده عليه الصلاة والسلام، ليتم سير الأمور باستقامة، ودون عوائق.
فالقضية ذات أهمية وخطورة بالغة، فلا يتحقق إصدار الحكم في شخص ما إلا بعد تواتر سماع وطول معاينة، فالإنسان يعرف بمواقفه القولية والفعلية العديدة بالإضافة على الاحتكاك في المعاملة المادية، والسفر الطويل، لا بنظرة متفرِس ولا بهمسة أذن من ساذج أو مغرض.
المبحث الثاني
التثبت في نقل الخبر
إن الخبر يصاحب الناس في صباحهم ومسائهم، وغدوهم ورواحهم، فبه ترتبط أواصر القلوب وبه تفترق، وبه تثور، وبه تهدأ، وبه تسعد، وبه تحزن، وبه تتأصل دعائم الخير، أو تتراكم ويلات الشر.
إنه من الأسباب الأساسية في تقييم الأفراد والمجتمعات، وتيسير سير المصالح العامة والخاصة أو تعطيلها.
وإن أعراض المسلمين غير مباحة لطعن الطاعنين دون حساب، ومصالحهم غير متروكة للهدر دون تمحيص وعقاب.
لذا كان من أهم أسس الإسلام أن جُعل الحفاظ على عرض المسلم من مقاصد الشريعة الغراء، ليبني بذلك المجتمع المسلم المتماسك، الذي يمكن أن ينطلق في تشييد الحضارة الإسلامية المنشودة، وتتحقق به الخلافة عن ربه في الأرض.
ولما كان للحكم العاطفي على الآخرين والارتجالي، والعقل الماكر الهادف، واللسان المغرض، والقلم المأجور، والطرف الخفي، والإشارة الخفية المفهمة، الدور الفعال والمؤثر في تدمير السمعة وشل حركة المصالح، بسبب غيرة وحرص على حياة، أو بساطة فكرية وعاطفية ساذجة، أو تنافس في حظ نفسي؛ من مزيد شهرة في علم، أو عبادة، أو منصب إداري، وقف الإسلام في وجه هذا التيار المدمر بمنهج ذي سدود منيعة من القواعد والضوابط التي يجب أن يمر بها الخبر عبر قنواتها لتختبر ماهيته، وتعرف هوية ناقله، وأسباب روايته، وأهداف ذلك وآثاره فإما أن يطرحه بعد ذلك، ويعاقب الناقل بما يناسب، أو يأخذ به بيانًا عليه أسلوب التعامل المناسب مع المخبَر عنه.
إن هذا المنهج استنبطه العلماء من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا، أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (25) .
ثم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) (26) .
ثم من القاعدة الأصولية (مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب) (27) .
فقد سلط القرآن الضوء على ناقل الخبر فوصفه بالفسق حتى وإن كان قد تزيا بزي العلماء أو تمثل برزانة الفضلاء، أو تشبه بحلم العقلاء، إنه متهم حتى تثبت براءته ولا تثبت براءته إلا بما يلي:
1-أن يكون عدلًا في دينه.
2-ضابطًا في نقله.
3-غير معروف بمنافسة مادية أو علمية، أو حساسية شخصية بينه وبين من يخبر عنه.
أما العدالة فلا تثبت إلا بما يلي:
الإسلام، البلوغ، العقل، السلامة من أسباب الفسق، السلامة من خوارم المروءة، أما المسلم فضده الكافر، وأما البالغ فضده الصبي الصغير، وأما العاقل فضده المجنون، وأما السالم من أسباب الفسق فهو الذي لم يفعل كبيرة، ولم يصر على صغيرة. وهذا أمر لا يعرف إلا بمصاحبة سفر، أو معاملة بالدينار والدرهم. وادعاء المعرفة المؤصلة بسوى ذلك مجازفة.
أما السالم من خوارم المروءة فهو: تنزهه عن أفعال العامة.
ولعل هذا الشرط الأخير أليق براوي حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الضبط فيشترط لثبوته ما يلي: