فهرس الكتاب

الصفحة 8354 من 27345

-رواية الخبر بألفاظه تمامًا، أو بالألفاظ القريبة منها، فإن لم يستطع فالمعاني الصحيحة بألفاظ تدل عليها دلالة واضحة صريحة لا ظنية، شريطة أن يكون الناقل عندئذٍ على علم ودراية كافية بمعاني الألفاظ العربية ودلالاتها، كي لا يخل في الدلالة على المعنى الصحيح.

وهذا الضابط فيما يتصل بالمعنى الصريح للخبر الذي لا يختلف في فهمه اثنان لو سمعاه، وإنما شرطوا ذلك لضبط المعنى كي لا يضطرب.

أما ما يختلف فهمه من رجل إلى آخر فلا يجوز نقله وروايته إلا بحروفه، وإلا فلا تجوز روايته بحال من الأحوال، دفعًا لما يترتب على ذلك من ضرر (28) .

ونظرًا للتساهل الواسع من الناس اليوم في نقل الأخبار فيما بينهم دون روّية وتثبت وتدقيق ونظر، ودون معرفة بمعاني الألفاظ العربية ودلالتها، وما أدى ذلك إلى قطع حبل الأخوة الإسلامية، وتعطيل المصالح، فالمناسب - من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وسدًا للذريعة - أن تضاف شروط أخرى إلى الضبط وهي:

1-ذكر الألفاظ الواردة قبل الخبر والألفاظ التي وردت بعده، لمعرفة دلالة السياق، لأن الخبر قد يكون جملة مقتطعة من سياق، فإذا وضعت في سياقها كانت لها دلالة وإذا فصلت عنها كانت لها دلالة أخرى، وكثيرًا ما يقع ذلك عمدًا لغرض ما، أو سهوًا.

2-حكاية اللهجة التي صدرت من المخبَر عنه حال تلفُّظه، ليُعلم هل كانت لهجة انفعال وصرامة، أم لهجة ود وتقدير واحترام، ولكل من اللهجتين دلالتها سلبًا أو إيجابًا.

3-ذكر قرائن الأحوال التي احتفت بهذا الخبر، كالأسباب التي دعت إلى الكلام أو حدوث الفعل.

ومن خلال الشروط المذكورة تضبط معاني الخبر، وسياقه، أسبابه، وأهدافه.

فإذا عرف الناقل للخبر أنه غير قادر على ضبط الخبر بالشروط المذكورة حرم عليه التحدث بما رأى أو سمع، وحرم على من سمع ناقله أن يصدقه - سواء أكان الخبر مما يضر بالمصلحة الخاصة أم العامة - لما في ذلك من حدوث الجفوة بين القلوب المؤمنة، والإضرار بالمصالح بمجرد الاحتمالاتت.

وإذا توافرت شروط العدالة والضبط فإن الحال يقتضي الاستفسار من المخبر عنه - إن لم ينشأ عن ذلك ضرر بالأخوة - ومصارحته بما يقال فيه بأسلوب مناسب دون تصريح باسم الناقل، فربما تقبّل ذلك بصدر رحب، ودفع عنه ذلك بحجة قوية وهي القصد الحسن من إطلاق كلمة يريد بها خيرًا، وفهمت منه على ظاهرها، وإنما أخطأ في انتقاء اللفظ المناسب لا أكثر.

أو قيام بفعل بقصد حسن، ولم يقدّر النتائج تقديرًا حسنًا فيعيب به وساء فهمه لدى المشاهد، وهذا كثير جدًا في الحياة اليومية المعاصرة.

وإن اعترف بما قيل عنه نُصِح وذُكر (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (29) ، وإن لم يتقبل النصح أكثر من مرة، وبأسلوب مختلف هُجر عندئذٍ هجرًا جميلًا بقصد تربوي، لا ترفعًا واستحقارًا.

أما إن كانت مصارحته تثير فتنة، نكتم خبره عندئذ، وندعو له ونعرض بذلك تعريضًا له في الوقت المناسب.

أما عن كونه غير معروف بالمنافسة بينه وبين من يخبر عنه:

إن كل ما تقدم فيما إذا لم يسبق النقل نشوب حساسية بين المخبر والمخبر عنه، أو منافسة بينهما، فإن كان بينهما ذلك، فلا يقبل خبرهما في بعضهما البعض أصلًا، لأنه إن كانت الذاكرة تخون، والفهم يخطئ في الحالات العادية الخالية من المنافسة والحساسية فكيف مع وجودهما؟

يؤيد ذلك ما أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن (30) سوى النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام، ولا ذي غِمر على أخيه) ، والغمر بكسر الغين - الشحناء والعداوة (31) .

لهذا اتفق العلماء على أنه لا يقبل كلام الأقران بعضهم في بعض في حال نشوب الحساسية فيما بينهم، بسبب المنافسة العلمية والحظوظ النفسية:

قال الإمام البخاري رحمه الله (( لم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، وتناول بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، ولا سقطت عدالة أحد إلا ببرهان ثابت وحجة ) ) (32) .

وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: (( كان بين جلة العلماء كلام عند الغضب، ولكن أهل الفهم والعلم والميز لا يلتفتون إلى ذلك، لأنهم بشر يغضبون ويرضون، والقول في الرضا غير القول في الغضب ) )أهـ (33) بتصرف.

وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: (( كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لاسيما إذا لاح لك أنه لعدواة، أو لمذهب، أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين ) ) (34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت