فهرس الكتاب

الصفحة 8378 من 27345

وإن أعظم فتنة يمر بها المسلمون اليوم هي ظهور الكفار وانتفاشهم وعلو باطلهم وانتشار الشر والفساد واستباحة بلدان المسلمين والسيطرة على مقدراتهم وفرض كفرهم وباطلهم مع قلة الناصرين للحق وضعف المسلمين وكثرة الإرجاف ووساوس الشياطين في ساعات الكرب والشدة والضيق. ولقد نزلت بالمسلمين كوارث من قبل فصبروا وثابروا وأنابوا إلى الله واستغفروه فنجاهم الله من كرباتهم ومنحهم نصره وتأييده حين رجعوا إليه واستنصروه وأخذوا بأسباب النصر وإن مما ابتلي به المسلمون من تكالب الأعداء عليهم وتكتل المجرمين لقتلهم وغزوهم في ديارهم وهذا بلا شك بلاء ومحنة وشر مستطير ولكنهم حينما قابلوا ذلك بالصبر الجميل والتضحية والجهاد والمرابطة في أرفع مجالاتها أعقبهم الله الخير بعد الشر والأمن بعد الخوف وخيب آمال أعدائهم وأحبط خططهم ومؤامراتهم كما قال الله عز وجل في شأن غزوة الأحزاب ? وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ? [الأحزاب: 25] وتلك هي المنة وهي المعجزة والكرامة للنبي وللمؤمنين معه لأن ذاك الاندحار وفشل الكفار إنما كان بفضل الله ورحمته وكرمه على عباده ثم ببركة التوجه إلى الله وحده في تفريج الكربات وكشف الشدائد واللجوء والتضرع إليه والاستعانة به والتوكل عليه جل وعلا.

ولا نجاة للمسلمين اليوم من هذه المحن إلا بالتوبة الصادقة والعودة إلى الله والاستمساك بهذا الدين الذي أكرمنا الله به مع الصبر والمصابرة حتى نلقى الله عز وجل.

أيها المؤمنون: إن الشر لا يستريح لمنهج الخير العادل المستقيم، والكفر والطغيان لا يرضى عن الإيمان والحق والعدل، فلا بد إذًا من مواجهة ذلك بالصبر والمصابرة والمرابطة حتى لا تؤخذ الأمة الإسلامية على حين غرة من أعدائها المتربصين بها في كل مكان وزمان.

وقد اخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير قول الله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ ... ? [آل عمران: 200] .

قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم ولا يدعوه لشدة ولا رخاء، ولا سراء ولا ضراء وأمرهم أن يصابروا الكفار وأن يرابطوا المشركين.

عن محمد بن كعب القرضي أنه قال: اصبروا على دينكم وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني.

وفي شعب الإيمان للبيهقي أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين يذكر له جموعًا من الروم وما يتخوف منهم، فكتب عمر إليه:

أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة يجعل الله بعدها فرجًا. وإنه لن يغلب عسر يسرين وأن الله يقول في كتابه: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ? [آل عمران: 200] .

وذكر عن إبراهيم بن أدهم وكان من العباد الزهاد رحمه الله أنه كان يسير إلى بيت الله الحرام راجلًا، فإذا أعرابي على ناقة فقال: يا شيخ إلى أين؟ فقال إبراهيم إلى بيت الله ، قال: طف وأنت راجل لا راحلة لك؟ قال إن لي مراكب كثيرة فقال ماهي؟

قال: إذا نزلت بي بلية ركبت مركب الصبر وإذا نزلت علي نعمة ركبت مركب الشكر، وإذا نزل فيَّ القضاء ركبت مركب الرضى، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى.

فقال الأعرابي: أنت الراكب وأنا الراجل سر في بركة الله .

أيها المؤمنون: تسلحوا بالإيمان والصبر والتقوى وجاهدوا في الله حق جهاده اعتصموا بالله هو مولاكم نعم المولى ونعم النصير.

الخطبة الثانية:

سقطت بغداد قبل عدة أشهر فسقطت تبعًا لذلك عراق الخلافة والعروبة والإسلام، لا تظن أنه وقع لأرض الإسلام شيء يقاربه من القرون الأخيرة فحزن المسلمون لذلك، وفرح المجوس والمنافقون أحفاد العلقمي الذي أغرى التتار باجتياح بغداد في أيامه في القرن السادس الهجري.

أيها المؤمنون: إن أعداء الإسلام يصورون لنا المعركة على غير حقيقتها وخداعًا للمسلمين ، إنهم يصورون الاعتداء على الإسلام والمسلمين بأنه صراع بين شخص أو نظام ، كما صوروا وبرروا احتلالهم للعراق بأنه للتخلص من دكتاتور خطير وأنهم يريدون تحرير الشعب العراقي من الظلم والاستبداد.

ويظنون بأنهم أمسكوا بصدام فإن المعركة انتهت وزال مبررها هكذا يصورون المعركة. ولكن الحقيقة خلاف ذلك إنهم يشنون حربًا ضروسًا على الإسلام والمسلمين في كل مكان إنهم يطالبون كل البلدان الإسلامية جهارًا نهارًا بتغيير مناهجهم الدينية وتغيير اعتقاداتهم وقيمهم وأخلاقهم ومحاربة علمائهم ودعاتهم ممن يدعون إلى الخير ويأمرون الناس بالقسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت