والطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف ، الذين أعطوا كل ذي حق حقه ، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته ، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح ، بل قبلوا ما يقبل، وردوا ما يرد ) . وقال: ( البصير الصادق يضرب في كل غنيمة بسهم ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها ) "18"
فقد عد الإمام ابن القيم كلا طرفي النظر للمتصوفة من المعتدين المفرطين ، وأخذ المنهج الوسط ، وكان منهجه الوسطي هذا وافيًا في كتابه مدارج السالكين ، الذي هو شرح لكتاب"منازل السائرين"لشيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي المتوفى سنة 481 هـ ، حتى أن الإمام ابن القيم رحمه الله أمسى في الكتاب مرددا لعبارات هي معروفة عن الصوفية ، أمسى يكررها لأن معناها صحيح غير مخالف للشرع ، كمثل لفظ المريد والسير إلى الله ونحوها ، ويجد ذلك واضحًا من درس الكتاب .
4.لقد كان للفكر الصوفي المنحرف أثرًا سيئًا في الأمة في جوانب حياتها ، كما كان له الأثر الطيب كما ذكرنا ، ومن أبرز جوانب الانحراف التي أثرت في الأمة في الفكر الصوفي:
· مقالة بعضهم في القضاء والقدر ، وأن الإنسان مسير في قدر الله ، وعليه أن يستسلم ويرضى بما يجري من أمور ، ولا يتحرك مع هذا القدر بقدر آخر ، هو يسعى له بمشيئة الله تعالى .
· ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي نقطة متولدة من النقطة الأولى ، وأصاب التبلد الأمة ، وخارت النفوس ، وترك الجهاد ، وساد الاهتمام بالذات على حساب مصالح الأمة ، ودفع الصائل عنها ، حتى أمست الشعوب اليوم راضية بكل ما يصيبها من جلاديها ، قانعة بقضاء الله وقدره !!
· الاعتماد على الخرافة والقصص والكرامات ، بدلًا من الاعتماد على الإنجاز والتحرك والعمل المثمر وفق شرع الله ، وسادت عادات سيئة تواكلية كثيرة في الشعوب جراء هذا التخلف .
وهذه الأمور الثلاثة قد تأثرت بها الشعوب نتيجة الفكر الصوفي ـ المنحرف ـ ولم تكن موجودة في صفاء التصوف ، ولا لدى قادته الكبار .
فالموضوعية تقتضي منا أن نتعامل بالعدل والإنصاف ، وأن نأخذ الصواب والحق منهم ، ونرد مالهم من شطحات وانحرافات ، لا أن نبالغ ونرفض كل شيء ، وخاصة في هذا الوقت ؛ حيث يروج بأن التصوف كله انحراف ، وكله منبوذ ، وكله يجب محاربته ، وهذا غلو واعتداء وبغي بغير حق ولا علم ، وليس هو منهج السلف رضوان الله عليهم ، إنما منهج جديد يدعي الانتساب للسلف !
إن لفكرة التصوف في الجانب التربوي أثرًا لا يُنْكِرُه إلا قليل علم أو مكابر .. ولم يزل علماء الأمة ينتسبون إلى التصوف بكل أريحية ، ولا يجدون في ذلك غضاضة أبدا ، لأن التصوف كما قلت مسلك تربوي في سلوك العبد مع الله تعالى ، وكان التصوف في أول أمره على الجادة ؛ ثم اختلط !! وينبغي أن نتعامل معه بالعدل والإنصاف ، لا بالتعدي والإجحاف ، مستفيدين من تراثهم التربوي الكبير، غير مبررين لانحرافات حدثت لهم ، ولا نتأولها قطعًا لهذه الشطحات .
وكمثال على هذا التعامل المنصف ، أورد كلام الشيخ أبي الحسن الندوي في بيان أمر كتاب"إحياء علوم الدين"للإمام الغزالي رحمه الله ، وهو من علماء التصوف ، قال الندوي رحمه الله: ( وعلى ما تعقب على الغزالي في الإحياء من إيراد أحاديث ضعيفة ، بل موضوعة في كثير من الأحيان ، وأشياء من كلام الصوفية الممعنة في الغلو وهضم النفس وترك المباحات ، وقد لا تتفق مع أصول الدين ، ومع ما ورد فيه من مواد كلام الفلاسفة ، إلى غير ذلك من مآخذ تعقبها العلامة الحافظ ابن الجوزي ، وشيخ الإسلام ابن تيمية، مع اعترافهما بفضل الكتاب ، فإن كتاب الإحياء في مقدمة الكتب الإسلامية التي انتفع بها خلائق لا تحصى في كل عصر وجيل ، وأثرت في النفوس تأثيرًا لا يعرف إلا عن كتب معدودة ، ولا يزال الكتاب الذي يكثر قراؤه والمعجبون به والمتأثرون به في أكثر البلاد ، لا يزال ثروة زاخرة في الدين ، ومصدرًا قويًا من مصادر الإصلاح والتربية ) "19".
وقال الإمام الذهبي عن الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله: ( الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة ، شيخ الإسلام ، علم الأولياء ) "20"كان الشيخ الجيلاني ( يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للخلفاء والسلاطين والقضاة والخاصة والعامة ، يصدعهم بذلك على رؤوس الأشهاد ، وفوق المنابر وفي المحافل ، يُنكِر على من يولي الظلمة ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ) "21". ولنتأمل حال الشيخ من التصوف والدعوة والجهاد ، ولنر اليوم الطريقة الجيلانية وكيف سيرها ومدى التزامها بشرع الله ! .