ومن الحركات الصوفية التي كانت على الجادة في منهجها وفي رجالاتها"الحركة السنوسية"في ليبيا ، التي كان لها الدور الكبير في نشر الإسلام في أصقاع أفريقيا ، وفي محاربة الاستعمار والتصدي له ، ضاربة بذلك المثل العالي للتصوف العملي الصافي من كل كدر ، المجاهد في سبيل الله تعالى ، ومن أبرز أعلام الحركة ( الإمام محمد بن علي السنوسي ) والإمام ( أحمد الشريف ) الذي رشح للخلافة ، ومن أبرز رجالاتها الشيخ عمر المختار أسد الصحراء وشيخ المجاهدين ، الذي تربى منذ صغره في الحركة السنوسية ، وهاجر لأفريقيا داعية فيها للإسلام ، ونشره بين أهلها ، وكان حافظًا للقرآن معلمًا له ، ثم أمسى قائد الجهاد في ليبيا ضد الطليان ، ضاربًا بذلك المثل العالي لكل رجالات الدنيا في حسن السلوك والعمل والعلم والدعوة ، برغم كبر سنه رحمه الله.
ذكر الدكتور الحبيب علي الصلابي قصة لطيفة عن عمر المختار فقال حفظه الله: ( استأذن ـ أي عمر المختار ـ في الدخول على الإمام محمد المهدي من حاجبه محمد حسن البسكري في موقع بشر السارة الواقع في الطريق الصحراوي بين الكفرة والسودان ، وعندما دخل على المهدي تناول مصحفًا كان بجانبه وناوله للمختار وقال: هل لك شيء آخر تريده ، فقلت يا سيدي إن الكثيرين من الإخوان يقرءون أورادًا معينة من الأدعية والتضرعات أجزتموهم قراءتها وأنا لا أقرأ إلا الأوراد الخفيفة عقب الصلوات فأطلب منكم إجازتي بما ترون ، فأجابني بقوله { يا عمر وردك القرآن } فقبلت يده وخرجت أحمل الهدية العظيمة"المصحف"ولم أزل بفضل الله أحتفظ بها في حلي وترحالي ولم يفارقني مصحف سيدي منذ ذلك اليوم وصرت مداومًا على القراءة فيه يوميًا لأختم السلكة كل أسبوع ) ."22"
فهذه الأمثلة من التوازن في التعامل ؛ قصدت منها فقه التوازن مع تراث الصوفية.. ذكرت مثالًا فيه كتاب الإحياء للإمام الغزالي ، وفقه الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الإمام الجيلاني ، وفقه الدعوة والجهاد من خلال عمر المختار ، وكلهم من الصوفية .
وقد كتبت أصول هذه الكلمات في بحث صغير قبل عشر سنوات ، وأضفت لها هذه الأيام وقدمت وأخرت ، وأسأل الله أن يمن علينا بالعلم النافع والعمل الصالح ، ويرزقنا جهادا في سبيله وشهادة نلقاه بها مخلصين له الدين .
"1"رواه البخاري .
"2"مذكرات في منازل الصديقين والربانيين / 9 .
"3"فصول في التفكير الموضوعي لعبد الكريم بكار / 53 .
"4"الفتاوى 11/28-29 .
"5"مقدمة ابن خلدون /329
"6"جزء من حديث متفق عليه .
"7"من أعلام التصوف قال فيه ابن تيمية: ( كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى) . وكررها بعد، فقال: ( والجنيد وأمثاله: أئمة هدى ) وقال: (كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليمًا وتأديبًا وتقويمًا) . ارجع في هذه التزكيات لمقدمة شيخنا الراشد في كتابه الأول"المنطلق".
"8"حقائق الصوفية لعبد القادر عيسى /14 .
"9"معيد النعم ومبيد النقم لتاج الدين السبكي /94 .
"10"الشيخ أحمد زروق من علماء المغرب الأفذاذ ، وهو من أصل فاسي أقام في ليبيا ودفن فيها ، وقبره في مدينة مصراتة بليبيا ، وهو على الطريق المستقيم ، ومحارب للبدع وأهل التصوف المبتدعين ، وله كتاب اسمه"عدة المريد الصادق"والذي يعرف باسم آخر وهو"النهي عن الحوادث والبدع"وسبب تأليفه لهذا الكتاب هو الرد على المبتدعة من المتصوفة الذين شاهدهم ورأى افتتان الناس بهم حيث قام بحصر بدعهم وعرفها وبين فاسدها ؛ كما بين في كتابه التصوف الصحيح وبين قواعده وردها إلى الكتاب والسنة وسيرة الصوفيين الأوائل وبين أن الصوفي الحقيقي هو من يلتزم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويبتعد عن البدع واستشهد في ردوده بأقوال عدد من أهل التصوف أنفسهم، ومن بينهم الشيخ أبي القاسم النصر آبادي الذي قال:"أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع، وتعظيم المشائخ ورؤية أعذار الخلق والمداومة على الأوراد، وترك الرخص والتأويلات"كما استشهد بما أنشده أبي القاسم الجنيد في حال هؤلاء المدعين فقال:
"أهل التصوف قد مضوا صار التصوف مخرقة"
صار التصوف ركْوة وسجادة ومزلقة
صار التصوف صيحة وتواجدًا ومنطقة
كذبتك نفسك ليس ذي سنن الطريق المحلقة"."
راجع كتاب عدة المريد الصادق تحقيق د. الصادق الغرياني .
"11"قواعد التصوف لزروق /7 .
"12"قواعد التصوف/ 4 .
"13"التصوف والصوفية لعدنان حقي /17 .
"14"حقائق عن الصوفية / 14 .
"15"المرجع السابق .
"16"الفتاوى: 8/366 .
"17"الفتاوى: 11/18 .
"18"مدارج السالكين 2/370 .
"19"رجال الفكر والدعوة في الإسلامي لأبي الحسن الندوي: 1/198 .
"20"سير أعلام النبلاء 20/439 .
"21"رجال الفكر والدعوة في الإسلامي لأبي الحسن الندوي: 1/223 .