و هي طريقة بوسنوية ، لأن مؤسسها الشيخ حمزة ، بوسنوي الأصل من مدينة زفورنيك البوسنوية ، و يرجح بعض الباحثين أنه من أحفاد الشيخ حمزة أورلوفيتش بالي البوسنوي ( ت 980 هـ / 1573م ) (1) و أنها لم تنتشر في بلد انتشارها في البوسنة ، رغم أن الشيخ حمزة كان قد بدأ دعوته إليها في مدينة بودابست بالمجر ، ثم انتشرت أفكاره و تعاليمه في البلقان و الأناضول ، و وصلت إلى مصر ، حيث استمرت نحو قرنين من الزمن . (2)
و كالطريقتين السابقتين في الذكر ، مثلت الطريقة الحمزوية نوعًا من ( الدين المختلط ) الذي جمع بين عقائد نصرانية ( بوغوميلية ) ، و أخرى إسلامية ، و كان كثير من أتباعها حديثي عهدٍ بالإسلام ، مما سهل تقبلهم و تحمسهم لها و ساعد على انتشارها بينهم ، مع احتفاظهم ببعض معتقداتهم النصرانية (3) .
و كان أول انتشار للحمزوية في البوسنة في منطقة بوسافينة
و ينسب إلى الحمزوية إضافة إلى تأثرها بالنصرانية اعتقاد أتباعها بالمساواة بين الأنبياء ، و عدم تفضيل محمد - صلى الله عليه وسلم - على سائرهم عملًا بقوله تعالى: { لا نفرق بين أحد من رسله } [ البقرة: 285 ] ، و لعل هذا ما برر لهم اتباع نبيي الإسلام و النصرانية في آن واحد ـ بحسب زعمهم ـ و جمعهم بين عقائد متعارضة ، كما ينسب إليهم الميل إلى عقيدة ( وحدة الوجود ) التي يقول بها غلاة المتصوفة . (5)
يضاف إلى ذلك غلوهم في الشيخ حمزة بالي باعتقادهم أنه القطب المغيث ، و وارث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي له الكشف و الاطلاع على الغيب ، و القادر على إسعاد الناس في الدنيا ، و إيصالهم إلى الجنة في الآخرة ، إلى غير ذلك من الاعتقادات المخرجة عن الملة (6) .
و بعد أن ذاع صيت هذه الطريقة تنبهت السلطات العثمانية إلى خطرها ، فأصدر شيخ الإسلام في السلطنة العثمانية سنة 986 هـ / 1579 م أمرًا لقاضي البوسنة الشيخ بالي أفندي بن يوسف البوسنوي ( ت: 990 هـ / 1582 م ) (7) ، بمقاضاة الحمزويين و محاكمة دعاتهم ، بعد أن صاروا ينشرون مذهب شيخهم الفاسد و يدعون أنهم أهل الطريقة و الحقيقة ، مع ما ينطوي تحت ذلك من نبذ للشريعة ، و طلب للإباحية الواسعة .
فكان ما أرادت السلطات حيث حوكم مشائخ الطريقة ، و أصدر القاضي بالي أفندي بن يوسف حكمًا شرعيًا بردتهم عن الإسلام و وجوب محاربتهم و قتل من استتيب فلم يتب منهم .
و عملًا بهذه الفتوى خرج علماء البوسنة و رجالها يتقدمهم الشيخ العلاَّمة حسن كافي الآقحصاري و الوزير الأعظم محمد باشاصوقولوفيتش ـ الذي قتله فيما بعد أحد أتباع الطريقة الحمزوية ثأرًا لشيخه ـ يتقصون أثر الحمزوية الفارين إلى الجبال فيعملون فيهم القتل ، حتى استأصلوا شأفتهم ، و ألجأووا من نجا منهم إلى التخفي و كتمان عقيدته ، و سيق شيخهم حمزة بالي إلى إسطنبول حيث أعدم فيها مع أحد عشر من أتباعه سنة 980 هـ / 1573 م و بهذا قضي على أخطر طرق الزنادقة ( المدعية للتصوف ) في البوسنة و الهرسك ، و لم تقم لها قائمة بعد ذلك و لم يبق لهم أثر حتى يومنا هذا ، و لولا التاريخ لما عرف ذكرهم ، و الحمد لله (8) .
و لدينا اليوم شاهدان تاريخيان يدلان على اتساع قاعدة التصوف في البوسنة و تأثيره في الشعب البوسنوي بشكل ملحوظ .
أحدهما حضاري معماري ، و الآخر علمي معرفي .
(1) ... كان حمزة منسبًا إلى الطريقة البيرامية ، قبل تأسيس فرقته ، و كان خليفة الشيخ حسام الدين الأنقوري خمسة أعوام ، و قد قتل شيخه تحت القلعة بإسطنبول سنة 964هـ / 1557 م ، بعد أن ظهرت منه أمور غير ملائمة للشرع الشريف ، كما قضى بذلك صاري خواجة محمد أفندي ، قاضي أدرنة .
انظر: ترجمته في: الجوهر الأسنى ، للشيخ الخانجي ، ، ص: 85 برقم ( 71 ) .
و: الدكتور عمر ناكيجيفيتش: حسن كافي الآقحصاري رائد العلوم الإسلامية و العربية في البوسنة و الهرسك ، ص: 85 .
(2) ... انظر: الدكتور محمد الأرناؤوط: الإسلام في يوغسلافيا ، ص: 165 .
(3) ... انظر: نويل مالكوم: البوسنة ، ص: 144 .
(4) ... انظر: نياز شكريتش: انتشار الإسلام في البوسنة و الهرسك ص: 143 .
(5) ... انظر: الدكتور محمد الأرناؤوط: الإسلام في يوغسلافيا ، ص: 165 ، و: الأدب البوسنوي باللغات الشرقية ، ص: 202 .
(6) ... انظر: الطرق الصوفية في يوغسلافيا ، ص: 197 .
(7) ... بالي أفندي يوسف ، قاضي البوسنة الشهير ، ولد في سراييفو و أخذ العلم عن علمائها ، ثم صار معلمًا للأولاد ، حتى أدخله الوزير الأعظم محمد باشا صوقولوفيتش في جملة المدرسين ، و تقلب في عدة وظائف آخرها القضاء .
انظر ترجمته في: الجوهر الأسنى ، للشيخ محمّد الخانجي ، ص: برقم 39 ، ص: 50 .
(8) ... انظر: الجوهر الأسنى ، للشيخ محمّد الخانجي ، ص: 51 .