و يستغرب الشيخ الخانجي - فيما ينسبه إليه حسين جوزو - اعتقاد المسلمين بنزول المسيح و ظهور المهدي رغم أن ما ورد في نزول عيسى عليه السلام ـ بما في ذلك حديث رواه البخاري في صحيحه ـ أخبار آحاد ، و ليست من قبيل التواتر ، فلا تصلح لإثبات العقائد (1) .
أما ظهور المهدي فالأدلة عليه أضعف مما ورد في إثبات نزول المسيح عليه السلام ، و ما قصة ظهور المهدي إلا ضلالة من الضلالات و خرافة من الخرافات يجب تحرير العقيدة الإسلامية منها و من آثارها السلبية في حياة المسلمين بحسب رأي الأستاذ حسين جوزو ، الذي لا يخفى تأثره بدعاة المدرسة العقلية الحديثة في مصر فيما ذهب إليه ، حيث ينسب إلى الشيخ محمود شتلوت (2) و محمد عبده ، و الشيخ المراغي (3) ، و رشيد رضا القول بأن عيسى عليه السلام قد توفي وفاة طبيعية و عليه فلا معنى لاعتقاد نزوله في آخر الزمان .
أما عن المهدي فيرى ـ تبعًا لأحمد أمين ـ أن الإيمان بظهوره آخر الزمان عقيدة شيعية انتقلت إلى أهل السنة ، و عليه فمن الواجب إخراجها من عقائد المسلمين (4) .
و يوافق الأستاذ حسين جوزو في نفي ظهور مهديِّ آخر الزمان غير واحدٍ من العلماء و الكتَّاب البوسنويين ، و من أبرزهم الرئيس علي عزَّت القائل: (( و نحن على ثقة بأنه لا يوجد هناك شيء اسمه( أرض الميعاد ) أو ( زمن المعجزات ) و لا يوجد المهدي الذي ننتظر و عده )) (5) .
غير أن ثمة فارق بين دوافع الإنكار لدى كلٍ من الأستاذ حسين جوزو و الرئيس علي عزت ، إذ ينطلق الأول من منطلق علمي بدافع ما يعتبره تنقية الإسلام ممَّا علق به و لا أصل له فيه ، أمَّا الثاني فباعثه على ما قال هو الاصلاح الذي يدعوا إليه ، و يرى أن من واجبه في ذلك تخليص الأمة من المثبطات التي جعلتها تركن إلى الواقع ، و تتعلق بالأوهام ، رافضةً بذل أي جهد - و إن كان بوسعها - بانتظار غائبٍ مرتقب .
و ممن تأثر بهذا الاتجاه العقلي ، فوقع في نفي بعض الأحاديث الدكتور عمر ناكيجفيتش (6) ، عميد كلية الدراسات الإسلامية في يومنا هذا ، حيث أنكر على الشيخ حسن كافي الآقحصاري رحمه الله ذكره بعض ما يكون بين يدي الساعة مما دلَّت عليه السنة الصحيحة ، فقال:( نجد أن صاحبنا حسن كافي ذكر … بعض علامات يوم القيامة التي تخالف العقل ، و حتى النقل إذا فهمناها بمعنى ظاهري ، و لكن إذا نظرنا إلى معناها المجازي فيمكن فهمها ، غير أن صاحبنا لا يميل المعنى
المجازي … و قد ذكر من بين تلك العلامات خروج يأجوج و مأجوج … و خروج الدجال … و وصف دابة الأرض بأوصاف غريبة ) (7) .
(1) ... أحاديث نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان كثيرة و صحيحة ، منها ما هو في الصحيحين أو أحدهما ، و قد عدَّها بعض العلماء من قبيل المتواتر كما فعل الشيخ محمد أنور شاه الكشميري ، الذي جمعها في جزءٍ ، عنوانه ( التصريح بما تواتر في نزول المسيح ) .
(2) ... محمود شلتوت: تخرَّج في الأزهر ، و درَّس في القسم العالي بالقاهرة ، ثمَّ عين وكيلًا لكلِّية الشريعة . له عضويَّة في هيئة كبار العلماء بمصر ، و مجمع اللغة العربيَّة بالقاهرة ، تولى مشيخة الأزهر حتى وفاته سنة 1383هـ/ 1963 م . من آثاره: الإسلام عقيدة و شريعة ، و الفتاوى ، و توجيهات الإسلام .
... انظر ترجمته في: المستدرك على معجم المؤلفين ، لكحالة: ص 774 ، الأعلام للزركلي 7 / 173 .
(3) ... الشيخ المراغي ، هو: محمد بن مصطفى بن عبد المنعم المراغي ، مفسرٌ و فقيه ، حنفي المذهب ، يأخذ من المذاهب الأخرى ما يناسب العصر و المصلحة ، و لد بالمراغة من صعيد مصر ، و نشأ بها ، ثمَّ انتقل إلى القاهرة و تتلمذ فيها على الشيخ محمد عبده ، اشتغل بالقضاء ، و تولى مشيخة الأزهر حتى و فاته سنة 1364هـ / 1945 م . من آثاره: بحوثٌ في التشريع الإسلامي ، و تفسير سورة الحجرات .
انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي 7 / 324 ، معجم المؤلفين ، لكحالة: 12 / 34 .
(4) ... انظر: الفتاوى المعاصرة ، لحسين جوزو ، ص: 48-52 .
(5) ... انظر: النص العربي للبيان الإسلامي ، تعريب: جميل روفائيل ( جريدة الحياة ، لندن ، عدد 10812 الأربعاء: 19/3/1412هـ/16/9/1992م ) .
(6) ... الشيخ عمر ناكيجفيتش: شيخ جليل ، و مربٍ فاضل ، و قد شرُفتُ بالتدريس في كلية الدراسات الإسلامية بسراييفو بعد أن أجازني لذلك ، و هو ممَّن أوذي في الله فاعتقل و عُذب فصبر سنين عددا ، غير أن إقراري بفضله و جلالة قدره ، لا يبرر التغاضي عمَّا أراه من زلله و هفواته ، التي أسأله تعالى أن يغفرها له ، و أن يعذره باجتهاده فيها ، لأننا نحب الرجال ، و لكنا نحب الحق أكثر من الرجال . ( الباحث ) .
(7) ... انظر: الدكتور عمر ناكيجيفيتش: الشيخ حسن كافي الآقحصاري ، ص: 181 .