من أضرار عدم حصول التأثيرالضرر الأول: منع إنتشار المفاهيم الخاطئة ثم من جهة أخرى عندما لا يحصل التأثير نجد هناك بعض المفاهيم الخاطئة، وبعض الناس على سبيل المثال يحكمون بفساد الناس والمجتمعات على وجه القطع والعموم، فإذا به أحدهم يقول هؤلاء لا خير فيهم وهؤلاء لا يستجيبون، لماذا ؟ يقول: لأنني وعظتهم وأثبت لهم وأقمت الحجة عليهم ، ثم مع ذلك لم يستجيبوا، نقول قد يكون فيك الخطأ لا فيهم، وفي أسلوبك لا في تقبلهم، ومن هنا ندرك خطورة عدم حصول الأثر لأنه يفضي ببعض الناس إلى قول خاطيء ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: ( من قال هلك الناس هو أهلكهم ) . أي أشعرهم هلاكًا أو أهلكَهم أي حكم عليهم بالهلاك من غير بينّة .
الضرر الثاني: الإحباط واليأس هذا الذي يدعو ويذكِّر ولا يتصور بعض التصورات المطلوبة ، فلا يقع حينئذٍ له استجابه يقع في نفسه إحباط ربما تسلل إلى قلبه اليأس فقنِط من الناس واعتزلهم ، حينئذٍ تقل الأصوات الداعية إلى الخير وتضعف الأعمال التي تدعو إلى الإصلاح لماذا ؟ لأن فاعليها أو القائمين بها توقفوا من أثر عدم رد الفعل وقد يكون هناك خطأ عندهم ، هذه المقدمة أحببت أن أجعلها بين يدي لب هذا الموضوع في المحطات التي نقف فيها للوصول في هذا الطريق إلى الشخصية المؤثرة ، وهناك ثمان محطات أذكرها ثم أذكر ما تيسر مما عددته فيها.
المحطة الأولى: التميز الإيماني والتفوق الروحاني .المحطة الثانية: الزاد العلمي والرصيد الثقافي .المحطة الثالثة: رجاحة العقل وحسن الأسلوب .المحطة الرابعة: رحابة الصدر وسعة الخلق . المحطة الخامسة: الجرأة الواعية والثبات الراسخ .المحطة السادسة: الاستمرار والابتكار .المحطة السابعة: الاستغناء والعطاء . المحطة الثامنة: التدرج والمراعاة . ونقف عند كل واحدة من هذه المحطات على هذه الطريق علّ الله عز وجل أن يبصرنا بعيوب أنفسنا وأن يرزقنا أخذ الأسباب التي تجعل لأقوالنا وتوجيهاتنا قبولًا ، فيحصل لنا وللناس الخير لأننا لا نريد أن نأمر بالخير فلا يستجاب فيقع بيننا وبين الناس نفرة أو يقع بيننا وبينهم تنابز بالألقاب والأحكام ، وإنما هدف المؤمن الحق أن يجذب الناس معه إلى ما رأى من خير وصلاح بإذنه - سبحانه وتعإلى - .المحطة الأولى: التميز الايماني والتفوق الروحاني لا بد أن ندرك - أيها الأحبة - أننا عندما نتحدث عن إصلاح إسلامي وعن دعوة إيمانية، فلا بد أن ندرك أن أول أساسياتها حسن الصلة بالله عز وجل . فلكي تكون شخصيتك شخصية مؤثرة ؛ لابد أن تكون عظيم الإيمان بالله ، شديد الخوف منه ، صادق التوكل عليه ، دائم المراقبة له ، كثير الإنابة إليه، لسانك رطبًا بذكر الله، عقلك تفكر في ملكوت الله، قلبك مستحظر للقاء الله ، مجتهد في الطاعات مسابق إلى الخيرات، قائمٌ بالليل، صائمٌ بالنهار، متحرٍّ للإخلاص وحسن الظن بالله عز وجل، فإن جمعت بعض هذه الأوصاف أو أكثرها فذلك هو سر القبول الأول، فقد ورد في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل ، فقال يا جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ) . إن القبول - أيها الإخوة - ليس بوضوح البرهان ولا بفصاحة اللسان ، وإنما بسر الأسرار وهو الإخلاص لله - عز وجل - والعبودية له سبحانه وتعإلى ؛ فإن سلفنا الصالح لما أخلصوا لله ، ولما أخضعوا رقابهم لله ، ولما ملئت قلوبهم من خشيه الله ، كان سمتهم يذكِّر بالآخرة ، وكان رؤية الواحد منهم موعظة مؤثرة ، وكان أحدهم ربما لا يتكلم الا بالكلمات الوجيزة ، فإذا بها تفتح مغاليق القلوب وترد إلى سواء الطريق ، وإذا بها تكسر الحواجز التي تحول بين الناس وبين التأثر والإقبال على الخير .
وقد وصف ابن مسعود - رضي الله عنه - صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( من كان مستنًا فليستن بمن كان قد مات ؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئكم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أبر هذه الأمة قلوبًا ، وأقلّها تكلفًا ، وإن الواحد منهم ليقول الكلمة يهدي الله بها الفئام من الناس ) . أي الجماعات الكثيرة . إنها كلمات تخرج من أعماق القلوب قد مزجت بمرارة الإخلاص ... قد خلطت بقصد النية الصالحة لله - عز وجل - وبرغبة الخير للناس ، فلذلك تؤتي ثمارها .ونحن نعلم أن الصحابة - رضوان الله عليهم - والسلف ما أثرت عنهم المقالات الطويلة ولا الخطب الطويلة ، وإنما كانت كلماتهم موجزة ، لكنها كانت في الوقت نفسه مؤثرة ، وهذا هو السر العظيم الذي يلقيه الله - عز وجل - لكل من كان له عابدًا .. سئل الحسن: ما بال أهل الليل على وجوههم نور ؟ فقال:"خلوا إلى ربهم فألبسهم من نوره".